مقالات

شريط كاسيت للحاجّة الحمداوية/ سهام بوهلال

عندما تغمرك الكآبة، وتأكل الماليخوليا قلبك، وتثقل جسدك أحمالٌ لا تراها، وتقصم الغربة ظهرك، محطًّمة فيك الإرادة في الحياة… ذلك اليوم الذي تستيقظ فيه وأنت تجهل في أي مكان أنت، ولم تعد تعرف هذا البلد الذي هو ليس بلدك، ولا مسقط رأسك. وحين تحسّ أن العالم كله يهدّد بالانهيار فوق رأسك المغربية الصغيرة.

حذارِ أن تقرب “البروزاك” وأخواتها من المهدئات، بل ابحث في حقيبتك الأولى، تلك التّي حضّرتها لك أمك بكل حب، ووضعت فيها هندامين جديدين وبعض “الشوارب” ودسّت بيدها الحنونة كطلسم، شريط كاسيت للحاجّة الحمداوية مغنّيَة الحيوية والنشاط، أو كما يقول المغاربة “النشاط ها هو شاط”…عبارة عربية فصيحة لا داعي لشرحها.

وعندما تحتويك بين ذراعيها، وتخرج ورقة صغيرة كتبت فيها “لا إله إلا الله محمد رسول الله” وتقطعها شطرين… نصف تحتفظ به ونصف أحتفظ به أنا، فعلى حدّ قولها… هذان الاثنان لا يفترقان… ضامنة إذن اللقاء ثانية معي.

إذا كانت أمّك مثل أمّي، فافتح أول حقيبة أتت بك إلى بلد الغربة، وأخرج الشريط، وإن لم تكن مثلي طفلاً لا تفهم لماذا يستمع والداك إلى الحاجة الحمداوية أو فاطنة بنت الحسين، أو الشيخة الزروقية، أو حميد الزهير وغيرهم… وفي نفس البيت تصدح حنجرة الست أم كلثوم والملاك فيروز والأميرة فائقة الجمال أسمهان، ونجاة الصغيرة صديقة والدي الحبيب… ورغم نفور أمّي – ربما مثل أمك – من اللغات الأخرى، خاصة الفرنسية، كانت حاضرة أسطوانات جاك بريل وستيفي ووندر وبوب ديلان وإلا فيزتجيرالد ودايانا روس؛ في حين أنك اليوم تجد مأمناً في شوبير وجون فيرا، ويسكن رونيه شار كثيراً من لياليك.

افتح الراديو كاسيت وادفع داخله شريط الحاجّة. طيب هل فعلت ذلك؟ انتظر مرور الدقائق الأولى وصرير أوائل الشريط… ثم لا تفكر في شيء. اترك أعضاءك تتحرك كالجن وضحكاتك تفتح حنجرتك. ترى حواسك تنفجر كالشهب… على إيقاع موسيقى تقليدية أو شعبية، مختزنة هنا كما في متحف…هذا البندير والكمنجة والدربوكة والناي والعود والتعريجة… كلها آلات عريقة.

ألا تضغضغ الزغاريد روحك وتجعل هذه القلادة الأمازيغية على صدرك تتراقص؟ ألا تجد نفسك مجذوباً في الإيقاع، مستسلماً للرقص من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين؟ وترى فجأة فاطمة، الفتاة البرتغالية الجميلة، تدفع باب غرفتك الجامعية وهي تضرب بيديها وترقص وتصرخ: بورتيييغال بورتيييغال… قبل أن تصرخ فيها الفرنسية في الدرج التحتي نحن هنا لندرس… فلا تزيد فاطمة إلا حماساً ومحاولة لتقليد كلمات الحاجّة.

ستبدو لك الكلمات بسيطة يومية وبعيدة عن عالم الشعر المألوف، ولكن في المقابل ستجد لما تغنيه الحاجّة إيقاعاً له انسجام عجيب ومعانيَ متوافقة.

صوت الحاجّة الحمداوية ينقض كالصقر على موضوع الحب ويلقيه على المستمع كالجام غير المصقول، عارياً من كل الأغطية وبحرّية مذهلة.

إنها تجعل الغضب الذي ينمو فيك عندما تحسّ نفسك مهجوراً متروكاً، والفشل هو حليفك الوحيد؛ تجعل الحاجة هذا الغضب ينطفئ ويصير برداً وسلاماً.

إنك تحسّ بالخسارة؟ ما المشكل؟ تقول لك الحاجة: “إيلا خيابت دابا تزيان” أي إذا خذلتك الحياة اليوم فغداً ستكون أحلى وأجمل. إنها دورة الحياة.

وتتوجه بصوتها الجهوري، الفياض بالثقة في النفس، مقروناً بدقة كفّها على البندير، وقوامها الذي لا يكاد يتمايل، إلى المحبوب الذي هجرك “الحب بزززاف عليك” أي أنك لا تعرف كيف تحب، أو أنك لا تعرف معنى الحب، وهو السؤال الذي لا نجد له جواباً مهما حاولنا، وذلك منذ قرون.

الحاجّة الحمداوية بدورها تطرح إشكالية الحب وماهيته، وتزيد بالقول، وكأنها تطعن الجرح ثانية بالخنجر: “طاح الكاس وطاروا شقوفوا طار الحب وبقينا نشوفوا”، بمعنى سقطت كأس الحب وتشتت أجزاؤها، فطار معها الحب أو غاب أو انتهى، ونحن ننظر من دون حول لنا ولا قوة، أو بلغة أخرى: الحب أحياناً ينتهي ويفقده المحبّون من دون أي تفسير منطقي، أو إمكانية جبر العلاقة (العلاقة هنا بمعنى الحب).

والله إنها أصدق وأقرب من واقع أوجاعنا، من اللواتي يلوين أجسداهن على نغمة واحدة وكلمات فارغة تصيب ساحة جامع الفنا بالصمم من رداءتها.

لا تتردد، من حين إلى آخر، في أخذ حمّام سباحة في أغاني الحاجّة الحمداوية ومثيلاتها للحفاظ على حيوية جسدك ونبض قلبك المغربي.

* شاعرة وروائية مغربية مقيمة في باريس

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى