سياسة

فن خسارة الأصدقاء/ سلام الكواكبي

عانى السوريون، أو بعضهم على الأقل، من ضعف التضامن الإقليمي والدولي، ليس السياسي فحسب، بل المدني أيضاً وخصوصاً، مع قضيتهم العادلة منذ اندلاع أولى المظاهرات الاحتجاجية في آذار من عام 2011. وقد تجسّد هذا الضعف البيّن في أداء وخطاب بعض المنتمين إلى الأحزاب اليسارية من جهة أو أولئك المنتمون إلى الأحزاب ذات الطابع القومي العربي من جهة أخرى.

وبمعزل عن المنتفعين أمنياً أو روسياً أو إيرانياً، وهم كثر، ويمكن لهم في حال تغير المموّل أن يتغيروا كالحرباء، فإن هناك من لم يتضامن، بل وعادى الحراك الاحتجاجي، من منطلق قناعة أيديولوجية “صافية”، وإن كانت تتسم بالعطالة الذهنية وبالتحليل المشوه وتسودها عقلية نظرية المؤامرة، إلا أنها مؤمنة بحق بما تهرف به وتدافع عن موقفها بكل ما أوتيت من جلمود عبارات جوفاء تصلح لبرامج الشاشات الاستبدادية. وبالتالي، فهذه الفئة “المريضة” إنسانياً وأخلاقياً، على الرغم من اقتناع أفرادها الكامل بإنسانية مشاعرهم وبأخلاقية مواقفهم وسمو ضمائرهم عندما يتعلق الأمر بقضايا أخرى تمتد من فنزويلا مروراً بنيكاراغوا ووصولاً إلى حقوق السكان الأصليين في أستراليا، إلا أنها فئة تُحَاوَرْ ويمكن أن تُحاوِرْ.

ومع أن جهد المحاورة يمكن أن يذهب هباءً أمام صلابة الموقف المعتمد على صلابة العقيدة المستندة إلى جهل واسع بالمشهد السياسي الحقيقي وبالمعارف التحليلية والذي يتلطى خلف التمسّك بعبارات قوية رنانة يمكن أن تصلح لنشيد حماسي ولا يمكن أن تصلح البتة للدفاع عن موقف مخلخل أخلاقياً على الأقل.

استنكف جزء كبير من السوريين المؤمنين بالحرية عن الحوار مع هذه الفئة الواسعة من المشهد الإقليمي والدولي. وإن كان استنكافهم هذا مبرراً ويكاد يكون محموداً، إلا أنه أضاع فرصاً عديدة لتحسين واقع التضامن الإنساني مع القضية العادلة

استنكف جزء كبير من السوريين المؤمنين بالحرية عن الحوار مع هذه الفئة الواسعة من المشهد الإقليمي والدولي. وإن كان استنكافهم هذا مبرراً ويكاد يكون محموداً، إلا أنه أضاع فرصاً عديدة لتحسين واقع التضامن الإنساني مع القضية العادلة دائما والساعية إلى تحقيق مبادئ العدالة الإنسانية والاجتماعية. وعندما قام بعضهم بشجاعة ملفتة بالتوجه إلى بعض ممثلي هذا المكون غير الناضج وغير المكتمل وغير المتماسك، معتمدين في ذلك على لغة مشتركة ترتبط بماضٍ نضالي مشترك في إحدى تلكم الأحزاب اليسارية أو القومية العربية، فقد تعرض إلى هجوم لاذع من أصحاب الرأي المناقض والداعي إلى مقاطعة شاملة لمن يحمل هذا الموقف ويدافع عنه.

من جهة الأصدقاء، وهم كثر في أحزاب أو جماعات يغلب عليها الطابع الديني، حيث ليس من الصالح العام للسوريين حصر التضامن مع قضيتهم بهم رغم ضرورة تقدير مواقفهم المستندة أساساً إلى العقيدة، فهم قلّة في المكونات الأخرى للمشهد المدني في دول الجوار كما في الدول البعيدة. والسعي إلى الوصول إلى أولئك القلة وتوعيتهم وجذبهم للإيمان بقضية “الحرية والكرامة والعدالة” الخاصة بنا، يتعثّر باستمرار، وأسباب هذا التعثّر تحتاج لدراسة علمية واسعة لا يمكن للمقال الصحفي أن يلم بها.

بالمقابل، نجد أن هناك قدرة هائلة لدى البعض منا على خسارة القليل النادر الموجود أو المتبقي منهم وإبعادهم عن مطالبنا ودفعهم إلى إعادة النظر في مواقفهم. فكثير من غير السوريين من الناشطين السياسيين والمدنيين، كما من الصحفيين والفنانين والكتاب، اختار، من منطلق أخلاقي وإنساني، أن يقف إلى جانب الحق وأعمل ضميره في استنباط السبل لتحقيق ذلك في حدود إمكاناته وفي إطار إنتاجاته على تنوعها. ويقابلهم بعض “المنخرطين” قولاً وفعلاً في الحراك السوري ببرود نادر يمكن أن يتحول أحياناً إلى إقصاء بوسائل عدة.

فكم من الكتاب ومن الصحفيين تلقّى درساً “مهنياً” على الأقل في كيفية معالجة الشأن السوري كما يرتئي ذلك أصحاب القضية أو من يمثلّهم نظرياً على الأقل؟ وكم من الباحثين الجادين الذين شكك بعضنا في مآربهم لأن منهجيتهم أو نتائج أبحاثهم لا تليق بما اعتقدنا بأنه الصواب؟ وكم من الفنانين الذين جرى اتهامهم بأنهم سرقوا القضية ليروّجوا لأعمال انتقصت من شأنها الذي حددناه نحن، ونحن فقط؟

من خلال عملي مع باحثين فرنسيين، أشعر بمرارة الكثيرين منهم والذين يتبنون ثورتنا بصدق ولكنهم في الوقت نفسه يتمسكون بالمنهج العلمي البعيد عن الشعارات والمبالغات والتلفيقات التي طالما ما ملأت بعض خطاباتنا

من خلال عملي مع باحثين فرنسيين، أشعر بمرارة الكثيرين منهم والذين يتبنون ثورتنا بصدق ولكنهم في الوقت نفسه يتمسكون بالمنهج العلمي البعيد عن الشعارات والمبالغات والتلفيقات التي طالما ما ملأت بعض خطاباتنا. وبالتالي، فهم يتعرضون إلى انتقادات حادة تصل أحيانا للتشكيك في دوافعهم. فيبتعدون عن موضوعهم المحبب وعن التزامهم الإنساني بالإضاءة على مختلف جوانبه في إطار علمي موثّق. وكم من صحفي أراد أن يُضيء على جوانب المقتلة السورية ويدعم “وجهة نظرنا” فلاقى من الإقصاء أو الإبعاد عن المعلومات ما لاقاه. أو أننا، وخصوصاً بعضنا، الذي ما زالت تسيطر عليه عقلية البعث بحصر الدعم والمساندة بالخطابات الجوفاء وطرح المعلومات على عواهنها، نُطالب الأصدقاء بتبني النسخة التي نرى بأنها الصحيحة لواقع ما. وعلى الرغم من أن الحق قد اختار منطقياً خندقه، وهو أقرب بكثير إلى الضحية من الجلاد، إلا أن هذا الحق والتمسك به لا يمكن أن يُعمينا عن بعض الجوانب والسقطات والانتهاكات من طرف من ندّعي إيماننا بمساره.

لكثرة ما أعطينا دروساً ووجهنا سهاما لصحفيين وباحثين أصدقاء، يكاد المرء يتساءل بمرارة إن كنا فعلا في حاجة إلى أصدقاء؟ او أننا نتقن فن خسارة الأصدقاء؟

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى