مقالات

عن أسمائنا التي لا نعرفها/ محمد حجيري

كثيراً ما يكون الحديث عن الأسماء العَلَم، جزءاً من السرد الروائي، وأحياناً يكون سند السرد وحجته ومتن حكايته وزعمه. والأشخاص أو أبطال الروايات حين يتحدثون عن الأسماء، تصبح كل جملة يقولونها، موضع تأويل وتفسير وتعيين. فرواية “كل الأسماء” لجوزيه ساراماغو مثلاً مكتظة بشخصيات بلا أسماء: فمن بين مدير المحفوظات العامة، ونائبيه، وشخصيات أخرى يُشار إليها جميعًا بأوصافها أو مناصبها من دون ذكر أسمائها، شخصٌ واحدٌ أضفى عليه الكاتب اسمًا؛ هو الموظف من الدرجة المتواضعة في السجل المدني؛ “دون جوزيه” الذي يعمل ككاتب مهمته تسجيل بيانات المواليد والوفيات وحالات الزواج. وحتى عن اسمه، لا نعرف سوى مقطعه الأول، جوزيه. فالراوي، إذ يخبرنا في الصفحة 16 عـن كنيتين له في سجل الولادات الموجود في المحفوظات العامة، إحداهما هي كنية أبيه، والثانية هي كنية أمه، فإنه لا يعلمنا عنهما، والسبب كما يقول: “عندما يُسأل دون جوزيه عن اسمه، أو عندما تتطلب الظروف أن يقدم نفسه، أنا فلان الفلاني، فلن يفيده في شيء النطق بالاسم كاملاً لأن محادثيه لن يحتفظوا في ذاكرتهم إلاّ بالكلمة الأولى، جوزيه، والتي يضيفون إليها بعد ذلك كلمة ـ دون”…

والحال أن ساراماغو حين كتب روايته، افتتحها بشذرته: “أنت تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، لكنك لا تعرف الاسم الذي لك”. فهل نجهل الاسم الذي لنا فعلاً؟ هل يصنع الأهل الاسم أم يصنعه المجتمع، أم تختاره الأجيال… من خلال قراءة بعض الروايات، نجد أن الشخص قد يحظى بأكثر من اسم ولقب تبعاً للظروف الاجتماعية والدينية. لنتخيل الرحالة الحسن بن محمد الوزان، المشهور بـ”ليون الأفريقي” أو يوحنا ليون الأفريقي أو يوحنا الأسد الأفريقي، والذي كتب عنه أمين معلوف روايته الشهيرة… ولنتخيل مجتمع الألقاب، أو اختيار الأسماء في المجتمعات القبلية، أو اختيار اسماء للأطفال انطلاقاً من أسماء الوحوش أو الكوارث، وهي أسماء نافرة توهم بأنها تنتج حياة سعيدة أو محروسة…

ومن خلال قراءة بعض الروايات الجديدة، يتبين صراع الأفراد مع أنفسهم وفي مواجهة مجتمعاتهم، في اختيار الأسماء، بل نستطيع القول إن الأسماء التي اختارها أهلنا ليست لنا، وربما لا تليق بحياتنا الجديدة وشخصياتنا ونظراتنا، وربما تشبهنا وترتدي حيواتنا ويومياتنا. في رواية “عباءة سوداء” للروائية السعودية فضيّة ثاني الريس (منشورات رياض الريس – بيروت)، تقول الراوية واسمها “مشخص”، إنها كانت تسمع عن معلمتها قبل أن تراها، والبنات يصفن جمالها بـ”الفاتن والساحر”. وحين شاهدتها، لم تجد فيها شيئاً من “جمال وفتنة”. وشبهتها بـ”سحلية الورر”، ونفت عنها الجمال معتبرة ان ما تمتلكه “أناقة!” و”لبسها مميز”، وتصل إلى خاتمة بأن “أحلى ما فيها اسمها وشعرها بس”. لكنها تكتشف أن اسمها الاصلي ليس ريم، أو أنه ليس الاسم الذي تُعرف به في المدرسة، فهي كان اسمها عقيلة وصارت ريم… وكادت الراوية “مشخص” أن يغمى عليها من الفرح حين اكتشفت الاسم الحقيقي، وتقول “لا أعلم لمَ اعتراني كل هذا الفرح عندما سمعته، وهذه الشماتة بتلك المعلمة! لا اعلم. هل هي غيرة نساء، أو ربما أشعر بعقدة نفسية تتراكم في ذاتي منذ الصغر بسبب اسمي؟”. والمحنة ليست في استكثار اسم مألوف على معلمة، بل في ان البطلة تستهجن الاسم الذي أطلقه عليها أهلها. فالاسم الذي لبسته وتُعرف به لا تريده، تشعر أنه ليس لها، تتساءل وكأنها تعاتب أهلها: في حدّ يسمي بنته مشخص؟ تضيف: “في المدرسة، كانت الإدارة تضع اسمي، نكاية بي، في جدول الحضور الى جانب اسم جزيعة، معلمة التفصيل والخياطة… هكذا كان يخيل إليّ. وكنت أظن أن القيمين على إدارة المدرسة يفعلون ذلك على اعتبار أن اسمينا، مشخص وجزيعة، غريبان”… و”على الرغم من غضبي من هذا الاختيار، فإني لم أجرؤ يوماً على أن اعترض. أما وقد اكتشفت الآن هذا السر الخطير، وأن المعلمة ريم العبد الرحمن، كان اسمها سابقاً عقيلة، فهذا في حد ذاته انتصار مُرضٍ لي”.

وما يغيظ مشخص، أن الأسماء الغريبة، تعود الى أسماء الجدّات، أما هي (أي البطلة) فسميت على اسم امرأة جميلة تعرفت عليها والدتها أثناء الولادة في المستشفى. ومنذ أن عرفت بحكاية تغيير المعلمة ريم لاسمها، وفكرة تغيير اسمها تراودها. تفكر باسم “هند”، إحدى اشهر نساء العرب… “منذ وعيت على الدنيا وأنا أحبها على الرغم من لقبها “آكلة الأكباد”. هكذا يكون الالتباس في تحديد مسار الأسماء، فجمال الاسم لذاته، وليس للذين يطلقونه على أنفسهم. وإذ تجادل الراوية أو مشخص في تغيير الأشخاص لأسمائهم وإذا ما كانت سينفعهم، إلا أنها قبلت الاحتفاظ باسمها والاستسلام لكارثة تسميتها به، فهو “قدر يجب أن أتعايش معه، فلا بديل يمكنني أن ألجأ إليه! في إمكاني أن أنتقل الى منطقة أخرى مثل عقيلة”… و”لست قوية لأحتمل سخرية الآخرين حين أغيّر اسمي”.

مشخص، إذاً، هي المتمردة في ذاتها، المستسلمة للواقع وهذره وناسه، تعيش صراعاً مع نفسها، على عكس “ميا” في رواية “سيدات القمر” للعمانية جوخة الحارثي (دار الآداب – بيروت)، التي تتخذ قرارها بهدوء، بينما البلبلة تحيط بها. ففي الرواية شكل آخر من أشكال التعاطي مع الأسماء، وهو ليس تعاطي بطلة مع اسمها، بل هي التي تختار اسم ابنتها رغماً عن المجتمع. تمرد بطلة الرواية على التقاليد، يدخل ثقافة الأسماء في اتون التأويل واكتشاف المجتمع بصورته النمطية والذكورية والدينية وصراع أجياله وسِيَر نسائه. فـ”ميا” نامت، وحين فتحت عينيها مرة أخرى، كانت البنت ترضع من صدرها. وحين جاء وليد السلمان التاجر، لرؤية المولودة، قالت له إنها تريد أن تسمّيها “لندن”، فظن أنها متعبة من الولادة وتهذي، أو تتكلَّم بكلام غير معقول. في اليوم التالي عادت ميا والبنت وأمها الى بيت عم زوجها وأخبرت أقاربه أن المولودة اسمها لندن… وهنا يغدو الاسم، وجهاً من وجوه غرابة الأشياء واستهجانها، وكل فرد له تعليقه عليه وعلى دور الأم في انتقائه.

ميا، طبخت لها امرأة عم زوجها مرق الدجاج الطازج وخبزت لها خبز الرقاق، سقتها الحلبة بالعسل، ثم ساعدتها في غسل يديها وجلست بجانب فراشها: يا ميا ابنتي، قالت ميا: نعم، ربّتت المرأة عليها وقالت لها: “ما زلت مصرّة على هذا الاسم الغريب للمولودة؟ أحد يسمي بنته لندن؟ هذا اسم بلاد يا بنتي… بلاد نصارى… كلنا متعجبون جداً، وأظن صحتك الآن تسمح لك بالتفكير مرة ثانية في اسم البنت… سميها على اسم أمك سالمة”. وكما ربط وليد السلمان اختيار الاسم “الجديد” بالهذي، ولحظة ما بعد الولادة والضياع، ربطت العائلة اختيار الاسم بوضع غير طبيعي وصحة غير مستقرة، ولم تفلح زوجة العم ولا ربط الاسم بالنصارى أو المدينة أو المكان في ثني ميا عن اختيارها، ولم تفلح أيضاً محاولتها جعل الاسم عنواناً للقرابة والسلالة والتوريث المدقع. فحتى الأم سالمة كانت حاضرة وغضبت قائلة: “ليش يا حبة عيني تريدي أن تسميها على اسمي وأنا حية أرزق… تتفائلي لي بالموت… من أجل ان تخلفني البنت؟”… كأن وراثة الاسم لها شروطها أيضاً ولا تتم بطريقة اعتباطية.

هكذا انشغل المجتمع باسم لندن، أكثر من انشغالهم بصحة صاحبته وصحة أمها. كأن الاسم “سقطة” لا تغتفر، أو هو كائن غير مألوف وغريب دخل مجتمعاً مغلقاً. تسمعهم ميا يقولون لها، “سميها مريم أو زينب أو صفية، أي اسم غير لندن”. وما لبثت أن امسكت ميا البنت ورفعتها في الهواء: “ما له اسم لندن؟ حرمه في بلاد جعلان اسمها لندن”. قالت زوجة العم بنفاذ صبر “تعرفين أن هذا ليس اسمها. هذا مجرد لقب لقّبها الناس به لشدة بياضها. وهذه البنت يعني..”. أنزلت ميا البنت الى حجرها: “ليست بيضاء مثل عائلة ولد التاجر، لكنها بنتهم، واسمها لندن”. وتصل الأمور إلى لوم الزوج والتشكيك في قدراته ودوره، “ما لك شور في اسم ابنتك؟”. ولا يقتصر الجدل على اسم “لندن”، فحين طلبت سالمة من ميا أن ترضع ابنتها، اعتدلت ميا جالسة فصاحت ظريفة (احدى نساء الرواية): الأفعى اللي عند ولدي ترضّع راقدة مثل الكلبة… ما ترضى تجلس… وسمّت البنت رشا.. وولدي مسكين سكت… ايش يقول؟ بتلدغه لو تكلم.. بدل ما يسمو حبيبة ومريم وفاطمة يسموا هذي الأسامي مرفت ورباب وناباب وشاكاب وداداب وقع عين ابليس… دنيا! والعجب هنا اختصار لواقع صراع الأجيال، فكل جيل يجلب معه الأسماء التي يحبها ويجد طريقة في اختيارها، بين الموضة وانعكاس البراري أو الأديان أو عادات القبيلة… إلخ.

فمشخص، بطلة “عباءة سوداء” باتت تعتبر الأسماء القبَلية غريبة، أما مجتمع “سيدات القمر”(نساء عُمان اللواتي بينهن أسماء مثل عنكبوتة) فيعتبر الأسماء الحديثة غير الدينية (رشا، ولندن، وميرفت) غريبة… هو صراع الثقافات والمجتمعات بنكهات مختلفة… وللحديث بقية.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى