الناس

تركيا… أحد أسوأ كوابيس الهاربين من الموت السوري/ عبدالله حسن

 

 

في الوقت الذي ينتشر فيه أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري ضمن أنحاء تركيا، لا يزال الآلاف منهم عالقين من دون بطاقة «حماية موقتة» أو كما تسمّى بالتركية «كمليك»، محرومين من خدمات الرعاية الصحية، والتعليم، والعمل، والتنقّل، ومهدَّدين دائماً بالعودة إلى بلادهم قسراً.

كانت السلطات التركية قد انتهجت سياسة «الباب المفتوح» منذ بداية الاحتجاجات في سوريا مطلع عام 2011، خصوصاً مع خروج المعابر السورية الحدودية بين البلدين عن سيطرة قوات النظام، حيث كان بالإمكان عبور السوريين إلى تركيا ببطاقة الهوية الشخصية لا أكثر، على أن يتم منحهم حق الحصول على بطاقة «الحماية الموقتة» بعد ذلك، والتي تخولهم العمل والحصول على امتيازات كثيرة بموجبها.

على رغم أن تركيا كانت قد صادقت على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967 إلا أنها حدّدت الأمر بحيث يُستثنى كل شخص لا ينحدر من بلد أوروبي من الحصول على حق اللجوء المعروف في بلدان العالم المتقدم، وعليه لم تمنح السوريين الفارّين من العنف والاضطهاد لجوءاً لأن سوريا ليست بلداً أوروبياً مثلما يعلم الجميع، ولأن السوريين فيها- ربما- لا يزالون دون المستوى الذي يخوّلهم نيل مثل هذه الحقوق.

أخضعت تركيا السوريين لنظام خاص بها يدعى نظام (الحماية الموقتة) بديلاً لحق اللجوء، يحصل بموجبه المستفيدون على خدمات صحية وتعليمية ومساعدة اجتماعية، ويحق لهم عبره الوصول إلى سوق العمل كي لا يموتوا من الجوع، بينما يحرم من هذه الحقوق من لم يحصلوا على البطاقة.

مع مطلع عام 2016، أغلقت تركيا حدودها بموجب «اتفاقية الهجرة» مع الاتحاد الأوروبي، وبات حرس الحدود أكثر تشدداً، ونفّذوا عمليات إعادة جماعية للهاربين من الموت، ووصل بهم الأمر حد قتل العديد منهم أثناء محاولتهم العبور من على الحدود، وهو ما أثبتته مقاطع فيديو وتقارير إعلامية عدة، كما ضيّقت على السوريين داخل تركيا، إذ منعت تنقّلهم بين الولايات من دون إذن سفر مسبق -يقتضي أن تكون حاصلاً على البطاقة أصلاً- أو حتى دخول المستشفيات في ولايات غير تلك التي تم تسجيلهم وحصولهم على بطاقة الحماية الموقتة فيها.

لك أن تتخيل هذا السيناريو، فمثلاً إذا أصيبت سيدة بوعكة صحية بينما تزور هي وزوجها قريباً في مدينة تركية ما، علماً أن بطاقة حمايتها الموقتة قد استصدرت في ولاية أخرى (عينتاب مثلاً)، فمستشفى المدينة سيرفض استقبالها ويطلب نقلها إلى عينتاب للمعاينة، أو أن تنتظر ريثما تسوء حالتها أكثر لتُقبل معاينتها بداعي الإسعاف..

هكذا هو الوضع حالياً!

علاوةً على ذلك، أُغلقت عشرات مراكز التسجيل لاستصدار الكمليك في إسطنبول والولايات الحدودية، وبات من غير الممكن الحصول على واحدة بطريقة نظامية، في الوقت الذي يتداول فيه السوريون بكثرة، أحاديثاً عن إمكانية الحصول على البطاقة عبر دفع مبلغ يتراوح بين 300 إلى 500 دولار لوسطاء (سوريين غالباً)، رشوةً للمسؤولين الأتراك في مراكز التسجيل؛ في حين يتطلب استصدار جواز سفر سوري من قنصلية نظام البعث في إسطنبول دفع مبلغ يصل حتى 800 دولار أميركي… جواز سفر لا يخول حامله دخول دولة تحترم حقوق الإنسان من دون تأشيرة؛ اللهم إلا لبنان لفترة لا تتجاوز الشهر.

حاولتُ مراراً الحصول على بطاقة الحماية الموقتة ولم أنجح، كانت آخر مرة عقب فوز رجب طيب أردوغان بانتخابات الرئاسة؛ قيل وقتها إن مراكز التسجيل قد باشرت عملها مجدداً، منحةً، واحتفالاً منه بانتصار إردوغان، الذي كان قد طمأن أنصاره في برنامجه الانتخابي وقتها خلال شهر شباط/ فبراير الماضي إلى أن السوريين لن يبقوا في تركيا طويلاً!

يا للمفارقة، وما أكثر المفارقات في شخصية الرئيس التركي.في حزيران/ يونيو 2018 قالت تركيا إنها سجّلت 3 ملايين و562 ألف و523 شخصاً بموجب نظام الحماية الموقتة، وعلى رغم أن هذا النظام ينص على عدم ترحيل السوريين غير المسجلين والاكتفاء بتغريمهم مادّياً، إلا أن تقارير لـ “هيومن رايتس ووتش” وأنباء عدة خلُصت إلى أنه تم ترحيل سوريين لأنهم لا يحملون البطاقة، في الوقت الذي تشدد فيه منظمات حقوقية وإنسانية على أن تركيا مُلزَمة بقاعدة عدم الإعادة القسرية بموجب القانون الدولي، مؤكدة أنه لا يجوز أبداً إكراه الناس على العودة إلى الأماكن التي يواجهون الموت فيها، أو حرمانهم من أن تكون أوضاعهم قانونية، أو الحصول على الخدمات الأساسية.

“هيومان رايتس ووتش” قالت في تقرير لها نُشر في 16 تموز/ يوليو العام الجاري أن ضوابط تركيا الصارمة على وكالات اللاجئين الدولية والمحلية تمنعهم من إيجاد السوريين غير المسجلين ومساعدتهم بشكل عاجل، وأوصتها بضرورة استئناف التسجيل الخاص بهم؛ كما أشارت إلى أن تركيا لا تسمح بأي مراقبة مستقلة لشؤونهم من قبل المنظمات المعنيّة.

في الوقت ذاته، يعتقد 78 في المئة من الأتراك بحسب استطلاع أجراه مركز التقدم الأميركي للأبحاث السياسية، أن بلادهم تنفق أموالاً «أكثر من اللازم» على رعاية اللاجئين السوريين.

عن أي رِعاية يتحدث ضحايا وسائل الإعلامحين يُل قى بنا في بقعة جغرافية ترفض حتى أن نتدبّر أمرنا بأنفسنا أو أن نأكل من قوت يومنا ومجهود سواعدنا؟

عن أي رعاية يتحدث هؤلاء إذ نُمنع نحن غير الحاصلين على (الحماية الموقتة) من العمل، ومن استئجار المنازل، ومن دخول المستشفيات، وعيادة الطبيب، التنقّل، ركوب الطائرة للمرة الأولى، زيارة إسطنبول لإجراء مقابلة لدى قنصلية دولة أخرى بغية نيل حق اللجوء فيها… جغرافيا ترفض حتى أن نستقبل حوالة مالية من “ويسترن يونيون” بأسمائنا الشخصية، إذ لا أسماء شخصية للسوريين في تركيا إلا حَمَلة بطاقة الحماية «الموقتة»…

جغرافيا تبيعك أبسط حقوق العيش فيها بـ 500 دولار أميركي.

درج

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.