الناس

“لم نربح شيئاً من هذه الحرب” .. علويون سوريون يتحدثون عن خيبتهم/ مكسيم عثمان


كان لتوقف الحرب في سوريا آثار مزلزلة ،وهي آثار لم تسلم منها جميع فئات المجتمع السوري.

في مناطق الساحل ذات الغالبية العلوية تسود نظرة نمطية تراكمت بسبب الواقع الذي حكم مسار الطائفة التي تماهت قسراً أو اختياراً مع نظام الأسد…

المزاج العام للطائفة العلوية وخيارات قادتها خصوصا لجهة نبذ معارضي الأسد تغلغل ليشمل البنية الاجتماعية والدينية للطائفة، سواء رسمياً داخل مؤسسات النظام أو في الحواضن الاجتماعية للعلويين. إلا أن انتهاء الحرب تقريباً أشعل فتيلاً جديداً بين العلويين أنفسهم، إنه فساد السلم.

ظهرت الطائفة خلال سني الثورة متجانسة، تُشبه كتلة واحدة في ظهورها وتشكيل آرائها المعلنة، فقيرها والمليونير الذي فيها متوحدان، العسكري والمدني أيضاً توحدا، ابن الريف والمدينة، حتى أبناء عائلة الأسد الشديدو الاستعلاء والتسلط انخرطوا بفقراء العلويين، حينما أعطوهم السلاح وشجعوا وهم التوحد النفسي في ما بينهم من أجل الدفاع عن النظام.

ثم كان التماهي العلوي العام مع العسكر بارتداء ما يوحي بأنه لباس يتبع الجيش والعسكرة. العلويون بغالبيتهم ارتدوا اللون الزيتي، للتوحد مع أبنائهم ومع الجيش والسلاح الذي عُدّ الأمل النهائي لحماية الجماعة والفرد، ودَرُجَت أنواع وصيغ من التشبُهات كلها تصبُ في تحصين بُعد دلالي للجيش كخزان رمزي للعمل تحت بندقيته وغايته. السياسة تمظهرت بأحد أشكالها الأكثر اضطراباً، فالحرب والعنف ليسا موقع العامة للفعل السياسي، إلا أن الطائفة تُظهر هذا الشكل لتحقيق قيمة العمل السياسي وحسب.

العلويون عايشوا الحرب سوياً، فعلياً، لكن توقف الحرب جعلهم يتفرقون عن شعورهم بأنهم كتلة ذات حركة واحدة. أظهر توقف الحرب الفوارق الطبقية بين العلويين، فقد اضمحل التوحد النفسي الذي خلقه النظام جراء الخوف من الآخر. لقد انتهى العدو الذي وحدهم، ونشأت أخلاقيات ما بعد الحرب. العودة إلى البيوت من الجبهات جعلت أملهم بالحرب يتغير، فبدأ السؤال الملح لفقراء العلويين  – وهم غالبية – يتضخم: ماذا ربحنا؟

تقول سيدة فقدت ابناً في الحرب: “أنا لم أربح شيئاً، لا كهرباء في القرية التي فقدت مئات “الشهداء” ولا طريقاً سوياً نحو بيتي، ولا نملك مالاً يكفي لنأكل ونشرب بكرامة، أما غيرنا من العلويين فقد ربحوا من الحرب حياة أولادهم والكثير من المال”.ويقول رجلٌ من ريف المزيرعة (ريف اللاذقية): “فقدتُ كل شيء من أجل الوطن، ثلاثة أبناء تعويضهم العسكري لا يكفي ليُطعم أولادهم، زوجات أبنائي يعملن في السوق براتب قليل ولا يكفي أي عائلة لتأكل الجبنة والخبز بكرامة”.

لقد صعد شيء استطاع النظام إغفاله بحجة الخوف والأمان، وهو الفقر وضحايا الوهم. عاد العلويون الفقراء بعد الحرب إلى حياتهم الطبيعية، التي ازدادت فقراً وتعاسة، فالموت يطل على القرى العلوية من داخل جدران بيوتهم المملوء بصور “الشهداء” وخارجها، وهذا لا يشمل الجميع فأحياء العلويين باتت تتعين ويُستدل عليها من عدد ضحاياها، أو عدد الأثرياء من الضباط فيها.

سائق تاكسي يضع صورة لأخيه “الشهيد” على زجاج السيارة قال لنا: “أنا أضع صورة أخي الشهيد وصورة ابن عمي أيضاً، لكي أقول للشبيحة والعلويين من طائفتي الذي يضعون لصاقاً أسوداً على زجاج سياراتهم كنوعٍ من رفع الشأن والتسلط، ولا يقفون على إشارة مرور، ويحملون سلاحاً ويفتعلون المشكلات ويضربون الشرطة، إننا نحن من قاتلنا وقمنا بحماية الوطن بدمنا، وليس أنتم يا أولاد الضباط والأغنياء”.

تنتشر في اللاذقية بشكل هستيري محاولات البحث عن القيمة المعنوية أو الرد الاجتماعي، بوضع صورة “الشهداء” على زجاج السيارة وداخلها، وحتى وضع (النعوات) وصور “الشهداء” أيضاً، وانتشار ظاهرة (الفيمة \ التفييم) أي تغليف الزجاج بلصاق أسود، وهذا من اختصاص الشبيحة وأثرياء العلويين. واستدعى ذلك رداً من أهالي الريف والأحياء المحيطة بالمدينة ذات الأغلبية العلوية بوضع صور ” الشهداء”، حيث ينشأ صراع رمزي مخيف، بين الضحايا وذويهم، وبين أبناء السلطة والسلطة نفسها.

يقول لنا بائع يانصيب علوي خمسة من أخوته خدموا في الجيش: “نحن دافعنا عن بيوتنا وأرضنا، تحت أسوأ الظروف، لا ماء ولا كهرباء في الريف، لكن أبناء عائلة الأسد منذ بداية الأزمة جلسوا في فنادق ولم ينقصهم أي شيء، لا كهرباء ولا غيرها، شجعونا على حمل السلاح فقط، وادعوا الوطنية والمرجلة منذ أول يوم لكننا لم نرَ شيئاً، فما ان انتهت الحرب حتى عادوا بأسوأ مما كانوا، يقتلون بعضهم بعضاً بقيادة أبنائهم الشبان، ويسرقون الأموال أكثر من أي وقت مضى. أما نحن فننتظر يوماً بعد يوم رد اعتبار لكرامتنا أو جوعنا أو لأبنائنا من الجيش”.

تتكاثر هذه الأقاويل والحوادث بين العلويين، وكثيراً ما يتجرأ العلوي على قول هذا جراء الحقد الشديد الذي يتشكل كلما هدأت الحرب، وحتى نطاق التعريف عن الشخص باتَ أكثر تخصصاً، فابن الريف يشعر بأنه قد تلوث في الحرب أكثر من العلوي ابن المدينة، وكثيراً ما يتزاحم المفهوم لإبراز أهمية الريف وتضحياته في الأحاديث اليومية.

في لقاء لنا مع أهالي فقدوا أبنائهم في الحرب، لاحظنا مقاربتهم لمفارقات يرونها صارخة بين أحياء وأخرى، فهم يشيرون الى أحياء يقوم بها أبناء المسؤولين والمقربين من السلطة بممارسة أفعال مشينة، كاستخدام مكبرات الصوت على السيارات، وفي الوقت ذاته يضعون صور حافظ وبشار وماهر وحسن نصر الله وبوتين وغيرهم، أو يقومون بإثارة بلبلة وضجة بسياراتهم، أو يطلقون النار فجأة، أو يضربون شباناً آخرين، وفي مناطق العلويين يقومون بالاعتداء على شباب علويين أو حتى يخطفونهم. انتهاء الحرب أعاد علاقات الهيمنة والعنف الاجتماعي لسابق عهدها، وكان العلويون الذي ساندوا النظام، يعتقدون بأنه سيحميهم من العلويين الشبيحة بعد انتهاء الحرب. لكن هذه المكافأة لن يحصلوا عليها. بل يشعرون بأن النظام يعاقبهم لوقوفهم بقربه.

ازدياد الفساد في البلاد يقهر العلويين خصوصاً، وحتى طرقات الريف أصبحت دليلاً شائناً على استغلال النظام لفقراء العلويين. حينما تصعد إلى أي قرية علوية يدلك السكان مباشرة على القصور التي يتم إعمارها، وهي في غالبها تعود لضباط علويين من القرى استفادوا من الحرب، ولم يعد العلويون يقدسون مراتب العسكر، بل باتوا يسخرون منها.

يقول لنا أحد سكان ريف جبلة، “البيوت الفقيرة المتهالكة تعود إلى أهالي شهداء ضباط وصف ضباط وجنود أو متطوعين، أما بيوت كبار الضباط فهي تُشبه القصور، لقد تقاسموا أرضنا في ما بينهم، ويتنازعون بالسلاح من أجل التلة الأفضل والأعلى، ويضعون أسواراً حجرية تساوي ثمن بيوت القرية كلها”. يقول رجل فقد ابنيه:” كل هذه القصور لمن شارك في الحرب كذباً، ألا يسأل بشار الأسد ألويته عن سر ثرائهم الفاحش، كيف لنا أن نصدق كل هذا الموت الذي لحق بنا، وبعضنا من العلويين يملك أسطولاً كاملاً لحمايته وهو في قلب الريف، من سيعتدي على الألوية هنا، أليس حراماً كل هذا البنزين لكل هذه السيارات والمرافقة ونحن بالكاد نستطيع أكل الجبن”…

الكثير من المقابلات التي قمنا بها كانت سهلة، فلم يعد صعباً على أي علوي أن يتحدث عن هذا الفرق الطبقي والاقتصادي بين أمراء الحرب وأبناء الضباط وبين فقراء العلويين، حيث الهوة باتت واضحة إلى درجة يصعب السكوت عنها، بخاصة أن وسائل الإعلام الرسمية والهامشية لم تعد تهتم بعائلات الشهداء والمصابين. يحاول النظام استجداء مواضيع مختلفة كالانتصار والاستقرار والحياة العادية للبلاد، ويحاول طمس حتى حالة الألم التي لحقت بملايين السوريين جراء الحرب.

بين العلويين في اللاذقية وريفها حالة خصام غير معلنة، لكن تضاريسها الواضحة، وسمات اختلاف بشرها وظروفهم أكثر وضوحاً، بعض العلويين باتوا يعلنونها، “نحن علويو المنطقة هذه، ولسنا أبناء تلك المنطقة”. تُذكر المناطق عنوة وكنوع من التشريف والرفعة، على حساب فئة من العلويين لم يحتفظوا من الحرب إلا برموزها العنفية كالسلاح والتسلط والهيمنة والمرافقة العسكرية وضرب المظلومين، هذا بالأصل ما جعله النظام خفياً. عاد العلويون إلى رشدهم/ هم فقراء ومظلومون، ولا يستفيدون من النظام إلا حين يشاركون معه بالخوف لا بالحياة.

*تم اغفال اسماء الشخصيات التي تمت مقابلتها لضمان سلامتها

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.