الناس

عنصرية سكر خفيف/ أحمد عمر

كلما رأيت جاري السيد بومر، بادرته بالسلام ولم يحدث قطّ أن ردَّ على تحيتي، والتحيّة من الحياة، حتى إني حسبته أصمّ أو أعمى، فهو يتجنّب النظر إليَّ، كأنه لا يريد تلويث بصره برؤيتي. سألت عنه جاري وشريكي في السكن السيد بالدور، بعد أن بحثت عن كلمة أخرى غير العنصرية، في وصفه؛ مثل متكبّر أو مغرور أو متعالٍ، وأخبرته بإعراضه عني، فقال: إنه طيّار. وهذا يعني أنه كائن من السماء وليس من الأرض.

وكنت أخالُ أنَّ عنصريته عرقية، فإذا بها مهنية، وقد اشتق العرب كلمة المهنة من الهوان. نحن في الغربية، والعنصرية في ألمانيا الشرقية الاشتراكية أشدُّ من الغربية وأنكى صِلِيّاً، فالاقتصاد والحاجة والضنك والبضاعة الموحدة، ورقابة الستازي البوليسية التي عاشوها، جعلتهم أبعد من الإنسانية وأقل رحماً، وكان من الأولى أن تقرّبهم منا، وهو يدفع إلى التساؤل عن الميراث الماركسي واليساري الذي ضاع في فتحة عين عوراء لا في غمضتها، بعد انهيار جدار برلين، وهذا ما يجعلنا نقول: الإكراه يفضي إلى الكراهية، كان ذلك على الإنسان حتماً مقضياً.

وقد تكون عنصريته من مهنته الراقية، أو من عرقه أو من كليهما، وهو متقاعد، وحيد، منقطع لتنسيق حديقته، وترتيب أشجارها، وتقليم أغصانها، إلى حدِّ التعذيب، أكاد أصرخ فيه كلما رأيته يعمل فيها المنشار: رفقاً بهذه الأشجار والأزهار أيها الطيار.

ليس له أحد كما يبدو، مقطوع من شجرة بالمنشار، ليس له زوجة أو كلب أو هرّة، قد يكون له أولاد، والأولاد الألمان مثل الطيور حالما يتمكنون من القدرة على الطيران يتركون العشّ إلى أعشاش جديدة بعيدة، وليسوا مثلنا يحنّون أبداً إلى أول منزل.

أراه كل صباح منهمكاً في تعذيب الأشجار بآلاته المعدنية الكثيرة، والمتنوعة الأشكال، يشبه بعضها أدوات طبِّ الأسنان، ينكش، ويعزق، ويقوم بعمليات جراحية في جذوع الأشجار وأصابعها، ويحلق العشب بماكينات الحلاقين، ولم يحدث قطّ أن التقت نظراتنا ببعضها.

تقع كرات لهو الأولاد في حديقة منزله فنتركها، خوفاً من طلقة في الظهر، أو دعوى قضائية تجعلنا ننزح من جديد. أمس علق أرنب بين السياج الذي يفصل بيننا، فجازفت بالقفز إلى حديقته، تحت عباءة الظلام، لأن إنقاذه من جهته كان أفضل، وأنقذت الأرنب، وعدت إلى العدوة الأخرى سالماً.

بومر شوكة في الظهر، والمرء لا يستطيع إخراج الشوكة من ظهره وحده، في أمثالنا الجار قبل الدار، ولو كنت على الساحل لوضعت رسالة في زجاجة وألقيت بها على الموج، وقلت له فيها:

جاري الطيار العظيم السيد بومر، لك مني أغلى التحيات وأكرمها، أنت وأشجارك، «ألا تعلو عليَّ وردوا عليَّ مسلّمين»، أعلم أني قد ضايقتك بسكني بجوارك، وأنا لم أوذِك، ولو أعرف أنك تقبل الهدية لكنت أهديتك هدية في عيد ميلادك الكريم، أو من غير مناسبة، حلوى أو دعوة إلى طعام، لكنك تأبى أن ترفع بصرك إليَّ. اعلم أيها الجار العزيز أني هنا بسبب آبائك، فقد استقبلت بلادي ألماناً كثيرين، يهود لكنهم ألمان، عشرات أضعاف السوريين الذين نزحوا إلى بلادكم، واستوطنوا في فلسطين، بل إنهم أخذوها كلها، وطردوا أهلي وأخوتي، وقد غضبنا لما جرى لهم، وهي أقدس بلادي وأكرمها، في دروبها مشى ربكم، «جدنا» المسيح، وفي إحدى صخورها ربط نبينا الكريم ركوبته البراق، وقد نزحنا بسببكم، فسبب مشكلة سوريا هو هتلر وعنصريته، السبب هو أنتم مرتين؛ مرة بسبب مذابح اليهود، ومرة بحزب البعث المستورد من بلادكم وأفكاركم وعقائدكم السياسية، ولو رفعت أوروبا الدعم السياسي عن الأسد لسقط مثل سقف من الصفيح، وعدنا إلى أوطاننا.

لا تحسبنَّ أنني سعيد بالإقامة في هذا المنفى الأخضر، فكل منفى قبيح ولو كان فردوساً، المنفى كان عقوبة في التقاليد العربية وفي الشريعة الإسلامية، كما أن أولادي يتعلمون العلوم الألمانية، وسيخدمون بلادكم وشعبكم، بل لنعترف أنهم صاروا أولادكم، تعبت عشرين سنة في تربيتهم فوجدتكم قد سرقتم أولادي جميعاً مني في ثلاث سنوات، يتكلمون بالألمانية، ويتصرفون بالآداب الألمانية، ويطيعون معلميهم أكثر من أبويهم، الحصيلة هي أني خسرت أرضي ثم خسرت أولادي، رفقاً بي يا سيد بومر، الدنيا خدٌّ وعين، بالأمس وقع لكم ما وقع لنا، نزحتم إلى بلاد الجيران، وإلى بلادنا أيضاً وأخذتموها عنوة، والحياة سجال، الدنيا يومان يومٌ لك ويومٌ عليك.

 نعم، يا سيد بومر، وكالات الأنباء تذيع أخباراً مروعة عن سوريين ارتكبوا جرائم مروعة، وتنظر إليها بمكبِّرة، وإلى ما يفعل رئيسنا المحبوب العالمي بمصغِّرة، والأخبار المروعة هي: زوج قتل زوجته وخرج إلى الشارع وسكينه تقطر دماً، وأب طعن زوجته الحامل في بطنها، وقال إنه غير نادم، سيقتل زوجته مرة ثانية لو علم إنها عادت إلى الحياة، ثم ألقى بنفسه أمام قطار الطلقة السريع، وثالث ألقى بابنه في النهر. نحن أيها السيد نادمون على الثورة التي قمنا بها على رئيس جمهوريتنا، الشاب الرائع الباسم الضاحك دوماً، الذي يحبُّ زوجته وأولاده ووطنه والكاجو، وحارب العالم والمؤامرات الكونية، وانتصر عليها، إنها جرائم الندم أيها السيد بومر!

كلما رأيتك تذكرت مشهداً من فيلم “خرج ولم يعد”، وهو فيلم رومانسي كوميدي عربي، يقول فيه ممثل عتيق اسمه توفيق الدقن وهو ينظر إلى صورة الكائن الفضائي المتخيل «أي تي»، ويقصد بقوله الشاب عطية النازح من المدينة: الواد عنده حقد طبقي. لديك حقد صامت، ربما يكون طبقياً، وكل ما أريده منك أن تهبط من طائرتك، وتردَّ السلام، والسلام على من اتبع الهدى.

وقد رضي السيد بومر بالنظر إليّ أخيراً بعد أربع سنوات من الجفاء والقطيعة، كان ذلك عندما جاءت سيارة البريد الصفراء، وقرعت عليه الباب فلم يردَّ على العمال أحد، رآني عامل البريد على الباب وسألني: هل تقبل بأن تتسلم بضاعة جارك؟

قلت: طبعاً، بكل سرور.

فتسلّمتها ووقعت على جهاز إلكتروني عرضه عليَّ يشبه الهاتف الجوال، شاشته من البلازما.

قبلت من غير خشية من جار طيار لا يرى أهل الأرض، أصم أعمى وأضلُّ سبيلاً، قبلت لأنني مفطور على الخير، فجدي هو المسيح  من جهة الأم، وربما ندمت خوفاً من الصدام مع بومر، لكن سبق السيف العذل.

قُرع الجرس بعد ساعة، فوجدت السيد بومر على الباب، ناظراً إلى السماء موطنه الأول، وربما كان يهرب من رؤيتي، وكأني قتلت كلبه، أو كأنه يفتقد الطيران، ولا أعرف إن كان قد سلّم، شكرني وهو يشير إلى بضاعته، وبدا في صوته بعض الامتنان. وكان عندي بعض الصحاب السوريين، وكان بينهم طياران متقاعدان، عاشا في المعتقلات ردحاً من الزمن، ورويا لنا ذكريات عن الطيران، وعن آلام المعتقل، وكانا فيما مضى يقودان طائرتيهما كما يقود اللاعب في السيرك دراجة على حبل. وكانت بضاعة بومر ثقيلة، فهي علبة كرتونية تبلغ حجم خزانة وثقيلة الوزن، وقال إنه طلب من الشركة بعض العمال لحملها إلى بيته، وسيحضرون بعد ساعتين.

فتطوعت وقلت: نحن نستطيع أن نحملها إلى بيتك، وناديت أصحابي فهرعوا فزعين، ولم يكن بينهم زميلا بومر الطياران بسبب آلام الظهر وآثار الاعتقال.

فسكت وكان سكوته علامة على الرضى، ناديت الصحاب الذين كانوا يضحكون ويتبادلون النكات الخشنة، فحملناها من زواياها الأربع، وعرفت فيما بعد أنها ثلّاجة جديدة، قادنا إلى مطبخ البيت، فوضعنا له العلبة الكبيرة المغلفة بالكرتون في المكان الذي اختاره، وبدا شاكراً ممتناً، مع نظرة كاملة فيها رضى وعرفان.

بادرته وعلى وجهي ابتسامة واسعة مثل فلاة فيها شجرة وحيدة تجفُّ تحت الشمس: سيد بومر، هل يمكن أن تقبل دعوتي وتشاركنا الطعام؟

بدا متردداً، ومخض الدعوة في رأسه حتى علا زبدها، وهزَّ رأسه متردداً، فهو ليس راكب الدرجة الممتازة في الطائرة، إنه الطيار الذي قضى عمره فوق السحاب، سلّمت عليه مودعاً، فردَّ عليَّ السلام، وشكر أصحابي، إنها المرة الأولى التي يردُّ فيها السلام.

لقد انهار جدار برلين بيني وبين جاري.

لقد نزل الطيار أخيراً إلى الأرض، في هبوط اضطراري، قلت في نفسي:

في المرة القادمة سيردُّ على التحية بأحسن منها أو مثلها، وربما نتعانق في إحدى المناسبات، عندها سأقول في أذنه: على رِسلك أيها الجار العزيز، أنا أحنُّ إلى بيتي وحارتي وهرّتي وقبر أمي وصوت صرصور الديار أكثر من حنينك إلى غيومك الغبية في السماء.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق