كتب الكترونية

تاريخ العلويين من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية/ستيفان وينتر

——————————————-

تاريخ العلويين من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية- المقدّمة/ ستيفن ونتر

ترجمة: ماهر الجنيدي

يشكّل “العلويّون” اليوم- من دون شكّ– ملّة من أكثر ملل الشرق الأوسط تناولاً وبروزاً للعيان. يمثّل العلويّون فرعاً من الشيعة الإمامية، وتشير إليهم أدبيات كلاسيكية كثيرة باسم “النصيرية”، وهم يشكّلون 11 بالمئة من سكان سورية (حوالي مليوني نسمة)، مع تمركزات إقليمية مهمة لهم في ولاية أنطاكية (هاتاي)، وكذلك في أضنة ومرسين جنوب تركيا([1])، وفي منطقة عكار ومدينة طرابلس في شمال لبنان. هناك أيضاً قرية علوية واحدة جنوب لبنان، هي قرية الغجر، والتي اقتطع نصفها وظلّ تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم البلاد في العام 2000. وبغض النظر عن وضع الغجر النهائي (والتي مازالت محتلّة في سبتمبر 2015)، يمكن القول إنّ ثمّة عدداً قليلاً من العلويين باتوا يعيشون أيضاً تحت سلطة الأمر الواقع الإسرائيلية. لكن دورهم في التاريخ الحديث لسورية هو الذي جذب الانتباه. إذ أنّ إدانتهم طويلاً على أنّهم “طائفة” جبليّة أعضاؤها هراطقة يعيشون على الهوامش الجغرافية والاجتماعية للدولة، صعود طبقة جديدة من الضباط العلويين في جيش سورية المستقلّة، وضعهم المهيمن داخل حزب البعث والاستيلاء الصريح على السلطة من قبل الجنرال العلوي الفريق حافظ الأسد في العام 1970، فترة حكمه الطويلة كرئيس والتي تلتها فترة حكم ابنه بشار بدءاً من العام 2000، والدور غير المتناسب الذي اضطلع به العلويون في الدولة، وخصوصاً منذ انزلاق سورية إلى حرب أهلية وإلى فوضى طائفية في العام 2011، هي جميعاً أمور سلّطت كل هذا الضوء على ما يفترض أنها أصول الجماعة، ومسيرة تطوّرها، وهويّتها السياسية.

وعلى الرغم من (أو بالأحرى بسبب من) الاهتمام الحالي الذي ولّدوه، فإنّ التاريخ القديم للعلويين يُعامَل غالباً بعبارات تنميطية، ويُختزل في ثيمة رئيسة واحدة من الانحراف الديني، والهامشية، والاضطهاد. ويكاد لا يخلو تقرير صحافي عن سورية اليوم، سواء أكان منشوراً في وسائل الإعلام الغربية أو الخليجيّة العربيّة، من الإشارة إلى العلويين بوصفهم “أقلية “يعدّها المسلمون الآخرون بدعةً، ما جعل الجماعة بأكملها “مضطهدةً تاريخياً”. ووفقاً لهذه السرديات الكبرى، والتي يتشاطرها أيضاً عدد كبير من الأكاديميين، فإن ثمّة فتوى أصدرها العالم الأصولي المعروف ابن تيمية في القرن الرابع عشر تدعو إلى إبادتهم هي التي تلخّص تجربتهم الفعلية تحت الحكم الإسلامي، بحيث أنهم نجوا فقط بفضل اللواذ في “الملجأ الجبلي” في شمال غرب سورية، قبل خروجهم من العزلة في ظل الانتداب الفرنسي، و”استيلائهم على السلطة” في جميع أنحاء البلاد في نهاية المطاف. إن حالة التكتّم والدفاع عن الذات والتعصّب للطائفة المضطهَدة باستمرار من شأنها أن تشرح الكثير من طبيعة النظام الحالي. ومن المفارقات أن أنصار الأسد بدأوا هم أيضاً باللعب على هذا الوتر، وإثارة مشاعر الخوف بين العلويين والجماعات الأخرى من الكراهية التاريخية الجامحة التي تكنها لهم الأغلبية السنية، كوسيلة لفرض الولاء للنظام([2]).

إنّ المشكلة في مفهوم “الاضطهاد التاريخي”، وغيره من التقييمات الشاملة، تتمثّل في عدم توفر أدلّة تاريخية تؤيّدها. ففي إسناد تصورهم على الفتاوى، وعلى الأطروحات الفقهية، وعلى السرديات التاريخية، مال المؤرخون دائماً إلى التركيز على فصل العلويين فصلاً معيارياً عن بقية المجتمع، وإلى حالات استطرادية عرضية، ونادرة أصلاً، من الصراع الطائفي. إن التركيز على الاختلاف الملّي- كجزء من نمط أوسع من التفسير يفترض أن الدين هو الأمر الوحيد الذي يهمّ البشر في الشرق الأوسط- ليس فقط تركيزاً غير مُرضٍ بالمعنى العلمي ولكنّه أيضاً تركيز يتعذّر تبريره أو الدفاع عنه في ضوء الأساطير الطائفية التي يتم استنفارها وتجنيدها من جميع أطراف الحرب الأهلية القائمة في سورية. إذ توجد مصادر عديدة تشير إلى اندماج العلويين في المجتمع السوري الأوسع عبر التاريخ. وعلى وجه الخصوص، توجد مجموعة كبيرة من وثائق السلطات المملوكية، ووثائق الأرشيف العثمانيّ والتركيّ، والأدب الاستقصائي العلوي، الذي يناقض فكرة أن “مجتمع” العلويين، إن وجد فعلاً هكذا مجتمع، قد تم فصله عن العالم المحيط، أو تمييزه عن سائر سكان المناطق الريفية، أو إخضاعه للتمييز المنهجي. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رواية أقل تنميطاً(*) وأكثر ملموسيّة ومستندية للتاريخ العلوي من خلال التركيز ليس على أساسه الملّي بل على أصول الدعوة العلوية وانتشارها في سورية، وعلى الوضع الخاص للعلويين في ظل الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة، وعلى العلاقات مع الجماعات الأخرى، وعلى الاختلافات الإقليمية والطبقية داخل المجتمع العلوي نفسه. وتقترح هذه الدراسة اتّباع النهج “العلماني/ العابر للقرون secular” لهذا التاريخ بالمعنى المزدوج للكلمة (وفقاً للكلمتين الفرنسيتين: séculier [الدنيوي غير الديني]؛ وséculaire [الدهريّ])؛ وذلك من خلال منح الأولويّة للسياق الاجتماعي الاقتصادي والسياسي والإداري لتطور العلويّة المعاصرة على حساب المناقب الدينية البحتة، وكذلك باعتماد المنظور طويل الأمد العابر للقرون، من أجل إجراء تقييم شامل للتحول العميق بالضرورة الذي طرأ عبر الزمن على الهوية العلوية.

التصورات الكلاسيكية للعلوية، التسمية والتقية

من حيث العقيدة، فإن العلوية أو النصيرية هي التجلّي الباطنيّ السري للطبيعة الحقيقية للإله والكون و”الإمامة” (الإيمان الذي يشترك فيه جميع الشيعة بأن عليّاً بن أبي طالب ونسله هم الخلفاء الشرعيون الوحيدون للنبي محمد)، هذا التجلّي الذي انتقل من محمد بن نصير، عالم الدين ورفيق آخر إمامين شيعيين مرئيين في القرن التاسع. وبسبب الطبيعة المخفية وغير المعلنة للتعاليم، والتي تنتقل حصراً، كما هو في المذاهب الصوفية، إلى الأتباع المختارين، فقد كره تقاة العلويين دوماً الكشف عن تفاصيل عقيدتهم وإيمانهم للغرباء، ولهذا فقد غدا من الشائع استخدام كليشيهات تقدّم العلويين بوصفهم غامضين ملغزين وغير مدروسين بشكل كافٍ([3]). وفي الواقع، فإن الافتتان بالعلويّة وجاذبيتها الشديدة قد ولَّدتا أدباً ضخماً في العصر الحديث يكذب غموضها المفترض. بعض أوائل الرحّالة الأوروبيين القادمين إلى المنطقة لم يلتقوا بأي علويّ، بل كانوا ببساطة يكتفون بالاعتماد على محاوريهم المحليين في تصويرهم المتهافت للطائفة. وقد كرر علماء مستشرقون مشهورون إدعاءات شائنة مفادها أن العلويين وثنيون، وأنهم يعبدون الشمس، والكلاب، والأعضاء التناسلية الأنثوية، أو أنّهم يقيمون محافل عربدة جنسية جماعيّة ليلية كجزء من ممارساتهم الطقوسية- وهي أمور شكّلت بالطبع جزءاً من لائحة الاتهام النمطية الموجّهة ضد الطوائف المسيحية والمسلمة على حد سواء، عبر التاريخ. وفي الوقت نفسه، أدى الحضور المتزايد للأوروبيين في الشرق الأوسط، والتوسع في الدراسات الشرقية في الجامعات الغربية في القرن التاسع عشر، إلى إنتاج عدد كبير من الدراسات النقدية أو التجريبية الرصينة التي ساهمت في توطيد العلويّة كموضوع ذي أولويّة للتحقيق الأكاديمي.

تركزت الدراسات الكلاسيكية حول العلويّة، مثلها مثل الديانات الشرقية الأخرى، في معظمها على أصولها الافتراضية وتعاليمها المجازيّة. كتب المطران يوسف سمعان السمعاني مخطوطة “المكتبة المشرقية- Bibliotheca Orientalis” في (1717-1728)، وهي عبارة عن مجموعة نصوص شرقية مترجمة إلى اللاتينية تحتوي على رواية تستهجن إلى حد ما بدايات الطائفة. شكّلت هذه المخطوطة ولفترة طويلة أساس المعرفة الأوروبية بالعلويين([4]). ومن بين أوائل التحقيقات والاستقصاءات النقدية التي تناولت الجماعة تلك التي قدمها كارستن نيبور (توفي في العام 1815)، الذي كان عضو بعثة مولتها الدانمرك إلى شبه الجزيرة العربية والشرق الأقصى في ستينات القرن الثامن عشر. تستند رواية نيبور على معلومات حصل عليها من أهالي متعاطفين، فضلاً عن رسالة عن النصيريين صادرتها على ما يبدو السلطات العثمانية، وتحتوي بالفعل جوهر ما هو معروف عن الدين اليوم. يتميّز نيبور عن غيره من الكتاب الأوائل في محاولته شرح العلويّة بعقلانية، مشيراً إلى أن “النصيرية” يفضلون الإشارة إلى أنفسهم باسم “المؤمنين”، ومقدِّماً تلخيصاً دقيقاً لهيكل معتقداتهم، ورأياً يرى أن الاتهامات المتعلقة بالعبادة المفترضة للشمس والأجرام السماوية الأخرى قد تنجم عن سوء تفسير لقاموسهم من الأسماء الرمزية والمصطلحات([5]). اشتغل مستشرقون وأعضاء إرساليات لاحقون باستفاضة على استكشاف الجذور المحتملة للطائفة، والممتدة ضمن الأفلاطونية الحديثة والغنوصية والمسيحية الشرقية. دراسات أولاوس غيرهارد تيشسن (1784، 1793) وهاينريش غوتلوب بولس (1792)، على سبيل المثال، ناقشت ما إذا كان النصريون يتماهون مع المندائيين، الذين شكّلت معتقداتهم التوفيقية واسمهم الآخر المشابه “الناظوريون” مصدر خلط دائم([6])؛ وقد تبع عدد من المؤلفين اللاحقين إرنست رينان (توفي في العام 1892) في افتراض أن كلمة “النصيريين” كانت صيغة تصغير عربية لكلمة “النصارى” (المسيحيين) وأن “العلويين هم بالتالي طائفة مسيحية طال تيهها([7]). يسهل دحض هذه الفكرة على الرغم من أنها تنمّ عن حقيقة أن الفكر النصيريّ يمتلك العديد من السمات المشتركة مع الغنوصية المسيحية المبكرة، وعلى المستوى الشعبي، فإن علويي الجبال السورية غالباً ما شاركوا جيرانهم المسيحيين العطلَ الدينية أو حتى تبّنوها. وحتى في يومنا هذا، فإن درجة التأثير المحتمل للمسيحية والأديان الأخرى على العلوية لا تزال مسألةً موضعَ اهتمام ونقاش كبيرين بين الباحثين المتخصصين([8]).

إن الافتتان بجذور الديانة العلوية وعقائدها لفت الانتباه أيضاً إلى تأثيرها على جانبين مهمّين للهوية العلوية، وهما عدم وجود مصطلح تاريخي موحد يشير للمجموعة، والممارسة المفترض للتقية. ظهر اسم “نصيري” لأول مرة في كتابات علماء الدين المسلمين الدارسين للضلالة والبدع، ولم يستخدمه العلماء العلويون في كتاباتهم. من ناحية أخرى، فإن عامّة العلويين لم يعرّفوا في العديد من الحالات أنفسهم في مواجهة الآخرين كنصيريين (أو “نصيريّة” بصيغة الجمع العاميّة، والتي كرّستها تقارير الرحّالة الأوروبيين بمفردات مثل Ansarie وAnsairy وغيرها)، حتى يمكن للمرء أن يفترض أنهم، كما هو الحال مع المجموعات المهرطقة الأخرى، تبنّوا في نهاية المطاف مصطلحاً كان الآخرون يستخدمونه أصلاً في صيغة تحقير([9]). صحيح أنّ اسم “علوي” كان يستخدم أحياناً في العصور الوسطى للتمييز بين الشيعة الإمامية والشيعة الإسماعيليّة (انظر الفصل الأوّل)، لكنْ لم يتم تبنيه حتى نهاية الحكم العثماني؛ ومن خلال تعريفهم الذاتي، كان العلويون السوريّون على الأغلب يشيرون إلى أنفسهم بوصفهم “فلاحين” أو أتباع نهج “الخصيبي”، كتمييز عن التيارات الأخرى داخل بواكير الحركة الشيعية. ولعلّ أوّل استخدام للمصطلح للإشارة والدلالة الموحدة الجامعة على مجتمع طائفي معيّن، والذي ورد لأول مرة في كتاب نشره محمد أمين غالب الطويل باسم “تاريخ العلويين” في العام 1924([10])، والذي يعدّ فعلياً التاريخ الكامل الوحيد المتوفر عن العلويين حتى الآن، كما سيتم مناقشته في الفصل السادس، كان في حد ذاته عملية تاريخية ترافقت مع انهيار الامبراطورية العثمانية.

أما الجانب الآخر من العلويّة الذي لاقى اهتماماً كبيراً، وغالباً غير مبرر، في الدراسات الغربية فهو ممارسة “التقية”، والتي من خلالها يستطيع العلويون وكذلك أفراد الأقليات المذهبية الأخرى إخفاء- أو على الأقل عدم إبراز- ملامح هويتهم تجنباً للتمييز الديني. يرتكز مبدأ التقية بثبات على الفقه الإسلامي، لكنه تاريخياً لعب دوراً معيناً في المذهب الشيعي وبعض الطقوس الصوفية، حيث يتضمّن هذا المبدأ أيضاً معنى حفاظ المرء على سر المعرفة مخفياً عن الأغيار([11]). وهكذا، فقد مارس أتباع النصيرية طقس التقية في ما يخص تعاليمهم الدينية، لكنّ أهل السنة الذين يحطّون من قيمتهم، وكذلك مراقبين غربيين، زعموا في كثير من الأحيان أن هذه التقية تمتد إلى درجة الكذب بشأن هويتهم أيضاً. قال رحّالة القرن السابع عشر الإنجليزيّ هنري ماندريل: “مبدؤهم هو عدم التمسك بأي دين، بل هم كالحرباء يتلوّنون بلون ذلك الدين أياً كان، ويبدون تماهياً مع دين الأشخاص الذين يتحادثون معهم”([12]). إنّ عدم إصرارهم على العناصر الإنشقاقية في إيمانهم، أو على مسائل الدين بشكل عام، كان تصرفاً طبيعياً لأفراد أقليات مهرطقة أثناء تنقلاتهم أو خلال تعاملهم مع السلطات في مسائل أكثر دنيوية؛ ومن ناحية أخرى، في وقت كانت تتمايز شرائح المجتمع المختلفة تمايزاً أكثر وضوحاً من خلال الملابس واللهجة([13]) مما هو عليه اليوم، يُستبعد جداً أن يتعذّر التعرف فوراً على العلويين وغيرهم من سكّان الجبال، أو أن يصعب كشفهم. كما إنّ المحفوظات المملوكية والوثائق الإدارية العثمانية، كما سنرى، تبيّن أن لدى السلطات في العادة فكرة دقيقة ومدروسة عن الهويات الطائفية للمواطنين الخاضعين للضريبة، ولم يكن لديها سوى القليل من الاهتمام بمعتقداتهم الملّية الفعلية. إن اعتقال وإعدام بعض العلويين في اللاذقية في أوائل القرن التاسع عشر (انظر الفصل الخامس) يتناقض مع فكرة أنهم يستطيعون بكل بساطة إخفاء هويتهم. لم تكن التقية، من الناحية التاريخية، أبداً عاملاً في تفاعلهم مع الدولة أو مع أبناء الجماعات الأخرى.

مصادر وحجج

تعتمد هذه الدراسة على فهمٍ يقوم على أن معظم المصادر الأدبية، بما في ذلك كتابات العلويين اللاهوتية الخاصة بهم بالإضافة إلى كتابات وفتاوى وتأريخات القرون الوسطى السنّية المتعلقة بالهرطقة والبدع، وأساساً أي نص يسمي العلويين (النصيريّة) على هذا النحو، ستركّز على هويتهم الدينية وبالتالي فهي تغالي في التشديد على عدم توافقهم مع بقية المجتمع المسلم أو السوري. والنتيجة هي أن جميع الدراسات السابقة تقريباً التي تناولت ماضي العلويين إما كانت مهتمة جداً بالعقيدة أو أنها اكتفت بتقديم نسج تاريخيّ وقائعيّ “histoire événementielle” يتواطأ مع حفنة من المراجع والإشارات في رسم ما يبدو أنها حالة صراع وتمييز وعنف طائفيّ مستمرة وواسعة الانتشار- لكنها في الحقيقة حالة نادرة- تماشياً مع النوع المفضل في السرديات التاريخية، لإنتاج قصة صراع لا نهاية لها ظاهرياً. من ناحية أخرى، ستركز الفصول التالية تركيزاً دقيقاً على الأدلة التاريخية الأقل وضوحاً- ولكن الأكثر نموذجيةً في النهاية- على التفاعل اليومي الطبيعي الهادئ بين العلويين وجيرانهم وسلطات الدولة. وستسلّط الضوء على وجه الخصوص على ثروةٍ من الوثائق الإدارية من كل من اسطنبول وطرابلس التي، ولأسباب عديدة منها أنها لا تدعم سردية الاضطهاد المعتادة، لم يسبق استخدامها: سجلّات الضرائب والأوامر التنفيذية التي تظهر أن كلاً من المماليك والعثمانيين شملوا العلويين وتعاملوا معهم بوصفهم جزءاً من شريحة المواطنين دافعي الضرائب؛ عقود مزارعة ضريبية من أرشيف المحكمة الشرعية في طرابلس تبين أن المنطقة كانت تحت سيطرة طبقة مستقلة من الإقطاعيين العلويين العثمانيين تدين بنجاحها إلى تطوير زراعة التبغ التجاري في القرن الثامن عشر؛ سجلات تشييد المدارس من قبل الدولة وغيرها من جهود التنظيم الاجتماعي في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ وسلسلة جديدة من الوثائق من أرشيف أنقرة العسكري تكشف عن العلاقات الوظيفية بين التمرّد العلوي ضد الفرنسيين في النهايات الأخيرة للإمبراطورية العثمانية وبين القوات الكمالية في الأناضول.

سيتم ردف هذه المصادر، خاصة للفصلين الافتتاحيّين في فترة العصور الوسطى، بقاموس سيرة العلوي الفريد غير المنشور [معجم تراجم] (والذي يبدو اليوم أن نسخته الرئيسة لا يمكن الوصول إليها بسبب الحرب الأهلية) والذي يحتوي على العديد من الإشارات العرضية لتفاعل العلويين على المستوى اليومي العادي مع المسؤولين الأيوبيين أو المملوكيين ومع جيرانهم الإسماعيلين. ولم يتح لكتاب “خير الصنيعة في مختصر تاريخ غلاة الشيعة” الذي كتبه حسين ميهوب حرفوش (توفي في العام 1959) أن يكون موضوع دراسة منهجية حتى الآن، على الرغم من أن متنه الرئيس بدأ يصبح مصدراً يفيد نطاقاً واسعاً من الدراسات التاريخية الوصفية المتعلقة بالعلويّين على مدى العقود الأخيرة([14]). وسيضم الفصلان الأخيران كذلك زخماً من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية (لاكورنوف- La Courneuve) والأرشيف العسكري (فينسين- Vincennes) اللذين يعكسان اهتمام فرنسا المتزايد في، وأخيراً هيمنتها على، الطائفة العلويّة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. سيختتم الكتاب بالنظر في وثائق الجمهورية التركية المبكّرة، الموجودة لدى الأرشيف الوطني في أنقرة، والتي تشرح بالتفصيل جهود حزب الشعب الجمهوري، حزب أتاتورك، الرامية إلى إعادة صياغة علويي جنوب تركيا على أنهم عرقياً أتراك. لا تهدف الدراسة، من خلال منح المصادر العلمانية أولويّة على المصادر الدينية في جميع أنحائها، إلى التشكيك في أهميّة الهوية الدينية العلوية والجماعة الطائفية العلوية كموضوع للتحليل، ولكنّها تهدف إلى إثبات أن علاقتهم الجيدة والمتناغمة مع جيرانهم وحكامهم وظالميهم المفترضين يمكن دراستها ومعاينتها، بكل عمقها التاريخي، على أساس وثائقي أوسع بكثير مما سبق استخدامه.

كرصد تأريخي زمني، يبدأ هذا الكتاب مع تأسيس السلالة الحمدانية الشيعية في حلب في العام 947 ميلادي، والتي من خلالها جرى أصلاً تعميم التعاليم العلوية في سورية الجغرافية. ويجادل الفصل الأول بأن العلويّة لم تكن “فرعاً” من “التيار السائد” من الشيعة الإثني عشرية العراقيّة، بل مذهباً شيعياً له ميوله المركزية، لم يتمّ تمثيله كتنويع هرطقي أو بدعي إلا باستعادة الحديث عنه بمفعول رجعي، حين أضفي الطابع المؤسسي على الأدبيات الشيعية الإثني عشرية في القرن الحادي عشر. وعلاوة على ذلك، فإنّ انتشار الديانة العلوية في جميع أنحاء وادي الفرات وفي شمال سورية، حلب، وحماه، وأخيراً الجبال الساحلية من عكا إلى اللاذقية (بهذا الترتيب) لم يكن نتيجة رحلة متخيّلة بداعي الظلم بل كان جهداً تبشيرياً مستداماً، أو “دعوة”. وكانت هذه الدعوة تتنافس مع الإسماعيليين والإسحاقيين ومختلف الجماعات الشيعية الفرعية الأخرى، لكنها لم تكن متمايزة بوضوح عن الشيعة الإمامية حتى أواخر العصور الوسطى، وهو ما يفسر لماذا تبدو مناطق العلويين والشيعة الاثني عشرية في سورية ولبنان اليوم متجاورة تماماً من دون تداخل. ربما كانت الدعوة العلوية هي الأهم من بين هذه البعثات التبشيرية حتى أوائل القرن الحادي عشر، إذ نالت دعم مختلف السلالات المحلية بما فيهم الحمدانيون والتنوخيّون بل والفاطميون، وبالتالي لم تؤسس تاريخياً كطائفة “هامشية” بل واحدة من أهم تيارات الإسلام كلّه؛ كان تمركزها الكانتوني في جبال غرب سورية قبل كل شيء نتاجاً للحروب الصليبية، التي أفضت إلى نهاية فعليّة لـ”الدعوة”، وأجبرت العلويين بشكل متزايد على تنظيم أنفسهم وفق خطوط الانقسام العشائريّة، وعلى التماس حماية منافسيهم السابقين، الأمراء الإسماعيلين النزاريين.

عملية الانقلاب الداخلي هذه، كما يحاول الفصل الثاني إظهارها، أثارت نقاشاً داخلياً مهمّاً حول حدود السلطة الدينية العلوية والعقيدة، والتي أثّرت تأثيراً تكوينياً في الجماعة يفوق كثيراً تأثير أي صراع مفترض مع التوجّهات والتيارات السنّية أو الشيعيّة الأخرى؛ لم تأت كتب التأريخ العربية في العصور الوسطى إلا نادراً على ذكر الجماعة العلويّة التي، وفقاً لمصادر سيرتها الذاتية الخاصة، استفادت من اللامبالاة، إن لم يكن التسامح التام، من جانب المسؤولين الأيوبيين والمملوكيين في أواخر العصور الوسطى. علاوة على ذلك، سيركز هذا الفصل على الحملة العقابية التي شنّت ضد العلويين في منطقة جبلة في العام 1318، والتي غالباً ما تم اعتبارها تمثيلاً للسياسة المملوكية العامة ضد العلويين، في حين أنها نجمت في واقع الأمر عن تمرّد ضريبي محليّ لم يُعد تفسيره إلا لاحقاً في الأدب السني “المتزمت” كصراع ديني. إن فتوى ابن تيمية الشهيرة، كونها واحدة من المصادر السنية النادرة التي تكاد تفطن إلى ذكر الطائفة في هذه الفترة، أصبحت تُرى اليوم على أنها تعبّر عن الموقف الإسلامي الأرثوذكسي الوحيد والذي لا يتغيّر من العلويّة، في حين أنّ ابن تيمية نفسه كان في واقع الأمر منبوذاً، ولم يكن لآرائه تأثير واضح على الفكر المملوكي أو العثماني حتى القرن الثامن عشر. سأناقش في الخاتمة أن ثمّة مصدراً أفضل بكثير يبيّن “السياسة” المملوكية حيال العلويين، ألا وهو سجلّات الضرائب المساحية العثمانية المبكّرة، التي تكرس وتضفي الطابع المؤسسي على الممارسة المملوكية التي تفرض ضرائب على العلويين تحديداً، ما يعني بالتالي اعترافاً رسمياً بالجماعة.

يدرس الفصل الثالث بالتفصيل سجلّات الضرائب العثمانية، لكي يثبت مدى سيطرة الدولة العثمانية على المنطقة في القرن السادس عشر، ولكي يبيّن أن العثمانيين لم يحاولوا القضاء على السكان العلويين (كما يُزعم في الفلكلور المحلي)، بل إنهم سعوا إلى جباية أقصى قدر من عائدات الضرائب من خلال الحفاظ على الأعباء المستحقة على العلويين تحديداً وكذلك أيضاً تعديل قيمة الضرائب في المناطق التي تحتاج إلى انتعاش اقتصادي أو حتى إعفاؤها منها. فيما سيعتمد الجزء الثاني من الفصل اعتماداً رئيساً على الأوامر التنفيذية العثمانية ليظهر أن الحكومة الإمبراطورية كانت تنظر لعمليات السطو والنهب وقطع الطرق التي يرتكبها العلويون في الجبال الساحلية على أنّها مشكلة اجتماعية وليست دينية، واصفةً المواطنين العلويين “الجاهلين” مراراً وتكراراً بأنهم ضحايا تلاعب شخصيات أكثر قوة، من دون ممارسة تمييز ضدهم على أساس دينهم.

وفي السياق نفسه، سيوضح الفصل الرابع أنه مع لامركزية حكم الولايات العثمانية في القرن الثامن عشر، كانت السلطات سعيدة بتوظيف عائلات علوية معروفة كجباة ضرائب حكوميين في المنطقة، والذين استفادوا بدورهم من التطور غير المسبوق لزراعة التبغ بكميات تجارية ليشكّلوا طبقة إقطاعيّة حقيقية؛ وسيجادل الفصل بأن الفوارق الاجتماعية المتنامية داخل الجماعة، وليس القمع القادم من الخارج، قادت من جهة إلى ازدياد النزعة “العشائرية” في المجتمع العلوي، وكذلك إلى هجرة علويّة واسعة النطاق صوب السهول الساحلية والداخلية، فضلاً عن استعمار ولاية هاتاي، ضمن ما هو الآن تركيا.

يتناول الفصل الخامس القرن التاسع عشر الطويل، وحقبة الإصلاح العثماني. ويبدأ بإظهار أن وجهاء العلويين دخلوا على نحو متزايد في صراع مع المسؤولين المحليين شبه المستقلين إبّان انهيار سلطة الإمبراطورية العثمانية في بداية القرن، ما تسبب في وصم الجماعة ككل، وللمرة الأولى، كمهرطقين ومنبوذين من المجتمع العثماني. واجه مسؤولو الولاية القادة العلويين بمزيد من التمييز وسوء المعاملة، لكنّ هؤلاء القادة الإقطاعيين واصلوا على الرغم من ذلك تقديم الدعم لسلطة الإمبراطورية العثمانية المهلهلة في مواجهة التدخل  الدولانيّ للنظام المصري بين العامين 1832 و1840. كما نمضي إلى القول إن الجماعة العلوية كانت تتعرض بازدياد إلى تدابير هندسة اجتماعية قمعية في ظل إصلاحات “تنظيمات” العثمانية وحكم السلطان عبدالحميد الثاني، بما في ذلك التجنيد العسكري الإلزامي والتحول الديني. لكن في الوقت نفسه، ومع مقاومة جهود الاستيعاب، بدأ العلويون أيضاً يستفيدون من مزايا التعليم العام الحديث والتمثيل النسبي في المجالس البلدية التي تأسست حديثاً، وبالتالي استحداث صوتهم كجماعة سياسيّة، ربما لأول مرة في التاريخ.

وأخيراً، يتتبع الفصل السادس التضارب والتناقض المتواصلين ما بين جهود أواخر العثمانيين، والانتداب الفرنسي، والجمهوريين الأتراك، ومساعيهم الرامية إلى دمج السكان العلويين في الدولة الحديثة. بعد دراسة مفاهيم المواطنة لدى “الحميديين” و”تركيا الفتاة” كما طُبّقت، أو لم تطبّق، على العلويين، يسلط الفصل الضوء على “اليقظة” الأدبية والفكرية التي قادتها بالنيابة عن الجماعة طبقة جديدة من المثقفين العلويين عشية الحرب العالمية الأولى. انطلاقاً من هذه اللحظة الفاصلة بالنسبة للجماعة، سنطرح فكرة أن المقاومة العلوية العظيمة ضد قوات الاحتلال الفرنسية في الفترة ما بين 1918 و1921، البعيدة كل البعد عن كونها تشكل رفضاً ضيقاً للسلطة الأجنبية أو تمثّل نوعاً محلياً من النزعات القومية العربية، كما تزعم الأدبيات بالتناوب، كانت جهداً منسقاً مع القوات الكمالية التركية، ولذلك ينبغي أن تُفهم كجزء من حملة “الجبهة الجنوبية” (Güney Cephesi) من “حرب التحرير” التركية. ويختتم الكتاب بإلقاء نظرة مقارنة على مختلف مصائر الجماعات العلوية في سورية وتركيا ما بعد الحرب، ويشير إلى أن العلويين في سورية منقسمون أساساً حول دعم أو مقاومة دستور دولة “العلويين” المنفصلة تحت الحكم الفرنسي، انقساماً تمخّض عن عواقب مهمّة خلال مفاوضات معاهدة العام 1936 بين فرنسا وسورية التي ينتهي بها النطاق المحدد لهذا التأريخ الزمني، والذي يمكن القول إن أصداءه مازالت تتردد حتى يومنا هذا. كما تعرّض السكان العلويون في جنوب تركيا، من ناحية أخرى، لسياسات إدغام وهضم متطرفة بل عنصرية في ظلّ القبضة الحديدية لحزب الشعب الجمهوري، وربما مع تأثير متناقض طويل الأمد ذلك أنهم يشكّلون الآن في تركيّا أقليّة طائفية أكثر أمناً وأكثر وعياً ذاتياً من العلويين في سورية.

من الواضح أنه لا يوجد مسار خطي واحد للمصير العلوي بدءاً من وصول دعوة الخصيبي إلى حلب الحمدانيّة إلى استقلال جمهوريتي سورية وتركيا الحديثتين. وقد كانت تجارب متنوّعةً بالضرورة تلك التي عاشتها الجماعة، أو الجماعات، العلوية على مدى عشرة قرون وفي سياقات إقليمية وسياسية متمايزة لا حصر لها، من انهيار الحكم الفاطمي في جنوب سورية إلى الحروب الصليبية، إلى تحديث الدولة المبكر تحت حكم المماليك، إلى الفتح العثماني، إلى الاندماج في اقتصاد النظام العالمي وأخيراً الاستعمار الحديث. وبدلاً من محاولة فرض إطار تفسيري واحد أو ثيمة واحدة لهذا التاريخ، أو التعامل معه بمعزل عن غيره، تهدف هذه الدراسة إلى إبراز مدى تعقيد وعرضيّة/ طارئيّة وعدم استقرار العوامل المؤثّرة على علاقة العلويين عبر القرون مع المجتمع الشرق أوسطي، والعثماني، والسوري بأسره. تشير المصادر التي أبرزناها هنا إلى الاستغلال المالي، والحرب، والهجرة، ولكن أيضاً إلى التحالفات بين البدو والعلويين، وإلى الترقيات لشغل مناصب حكومية، وإلى الصداقات العابرة للطوائف. وبما أن جميع السوريين اليوم، على المديين المتوسط والبعيد، لن يكون لديهم بديل سوى إعادة بناء بلدهم ومجتمعهم الوطني بشكل أو بآخر، فإن الدرس المستفاد بأنّ علاقات العلوي مع المجموعات الأخرى ومع الأفراد الآخرين لم تتحدّد تاريخياً بالعداوة المنتظمة ولا القمع المحتّم، بل تميزت مراراً وتكراراً بالتكيّف والتعاون والثقة، قد يكون درساً مهماً بعد.

([1]) يجب عدم الخلط بينهم وبين “العلويين” في تركيا، الذين يشتركون معهم في الاسم نفسه وفي الأساس الملّي ذاته، ولكنهم يشكلون مجتمعات عرقية ودينية متمايزة تماماً أو حتى متباينة.

([2]) انظر التحليلات الأخيرة في مايكل كير وكريغ لاركن، محرران، العلويون في سوريا: الحرب والإيمان والسياسة في بلاد الشام (لندن: هيرست، 2015).

(*)([2]) [Essentializing]: إرجاع الخصائص الطبيعية والضرورية لأعضاء مجموعات محددة معرّفة ثقافياً (وفق الجنس، السن، الإثنية، العرق، الوضع الاجتماعي-الاقتصادي، اللغة…). (المترجم).

([3])للاطلاع على أحدث نظرة إليهم، انظر: Heinz Halm,“Nusayriyya,” Encyclopaedia of Islam, new ed. [EI2] (Leiden: Brill, 1995), 8:145–48;.lyas Uzüm, “Nusayrîlik,” Türkiye Diyanet Vakf..slam Ansiklopedisi (Istanbul:.SAM, 2007), 33:270–74.

([4]) مذكور لدى قسطنطين فرانسوا فولني، Constantin-François Volney (توفي في العام 1820)، Travels through Egypt and Syria in the Years 1783, 1784, and 1785 (New York: Evert Duyckinck, 1798), 2:3–5.

([5])Carsten Niebuhr, Reisebeschreibung nach Arabien und anderen umliegenden L.ndern (Copenhagen: Nicolaus M.ller, 1778), 2:439–44.

([6])Olaus Gerhard Tychsen (d.1815),“Die Syrischen Nassairier und ihre Itame,”in Memora­bilien, vol. 4 (1793), 185–88; Heinrich Eberhard Gottlob Paulus (d. 1851), in Memorabilien: Eine philologisch-theologische Zeitschrift der Geschichte und Philologie der Religionen dem Bibelstudium und der morgenl.ndischen Litteratur gewidmet, ed. H. Paulus (Leipzig: Siegfried Lebrecht Crusius, 1793), 3:111–22.

([7])René Dussaud (d. 1951), Histoire et religion des Nosairîs (Paris: Bouillon, 1900), xxxi, 9, 14.

([8]) Meir Bar-Asher and Aryeh Kofsky, The Nusayr.-‘Alaw. Religion: An Enquiry into Its Theology and Liturgy (Leiden: Brill, 2002); Yaron Friedman, The Nusayr.-‘Alaw.s: An Introduction to the Religion, History and Identity of the Leading Minority in Syria (Leiden: Brill, 2010).

([9])Samuel Lyde (d. 1860), The Asian Mystery. Illustrated in the History, Religion, and Present State of the Ansaireeh or Nusairis of Syria (London: Longman, Green, Longman and Roberts, 1860),

    سيستخدم مصطلح ” علوي ” عند مناقشة المجتمع وتاريخه بالمعنى العام، لكن مصطلح النصيري سيستخدم أيضاً من دون تحامل عند الإشارة بشكل أكثر دقة إلى عقائدها الدينية أو عند الاقتباس من المصادر الأولية. اكتسب مصطلح “النصيرية” بعض القبول في سوريا ولبنان عند استخدامه في سياق تاريخي؛ انظر محمد أحمد علي، العلويون في التاريخ: حقائق وأباطيل (بيروت: مؤسسة النور، 1997)، 259-61. في تركيا، حيث لا يخضع هذا المصطلح للمحرمات السياسية نفسها، فإنه يستخدم عادة لتمييز “العلويّة العربية” في هاتاي والمناطق المجاورة عن المذهب العلوي الأكثر انتشاراً في تركيا.

([10]) محمد أمين غالب البردويل الطويل (توفي في العام 1932)، تاريخ العلويين، الطبعة الثالثة (بيروت: دار الأندلس، 1979).

([11])  انظر:  Etan Kohlberg, “Some Imamī- Shī‘ī Views of Taqīya,” Journal of the American Oriental Society 95 (1975): 395– 402; Friedman, Nusayrī- ‘Alawīs, 13– 14, 143– 47.

([12])Henry Maundrell (d. 1701), A Journey from Aleppo to Jerusalem at Easter, A.D. 1697 (Boston: Samuel Simpkins, 1836), 21.

([13]) حتى في العصر الحديث، غالباً ما يتميز العلويون بنطقهم لحرف القاف، وهو يلفظ كهمزة في معظم اللهجات السورية الأخرى.

([14]) انظر علي عباس حرفوش (توفي في العام 1981)، المغمورون القدامى في جبال اللاذقية (دمشق: دار الينابيع، 1996)؛ ديب علي حسن، أعلام من المذهب الجعفري (العلوي)، 3 مجلدات (بيروت: دار الساحل للتراث، 1997-2000)؛ علي محمد موسى، الإمام علي والعلويون: دراسة وتاريخ وتراجم (دمشق: دار الفتاة، 2002)؛ إميل عباس آل معروف، تاريخ العلويين في بلاد الشام: منذ فجر الإسلام إلى تاريخنا المعاصر خلال جميع العصور والدويلات التي مرّت على المنطقة العربية الإسلامية، 3 مجلدات (طرابلس: دار الأمل والسلام، 2013).

—————————-

تاريخ العلويين: من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية

عنوان الكتاب: (تاريخ العلويين: من حلب القرون الوسطى الى الجمهورية التركية)

أحمد نظير الأتاسي

ستيفان وينتر أستاذ مشارك في قسم التاريخ بجامعة الكيبيك في مدينة مونتريال (Université du Québec à Montréal). وله كتاب الشيعة في لبنان تحت الحكم العثماني (The Shiite of Lebanon under Ottoman Rule) والذي يشبه في مقاربته وموضوعه الكتاب الذي تحت أيدينا الآن.

الأستاذ وينتر مهتم بالتاريخ العثماني، ويعتبر نفسه مؤرخاً للفترة العثمانية في سوريا ولبنان وتركيا، ويعتمد في أبحاثه على الأرشيفات العثمانية العربية والتركية. ولا يريد أن يُنظَر إليه كمؤرخ لسوريا الحديثة أو للعلويين في سوريا، وينأى عن السياسة المعاصرة. قابلت الاستاذ وينتر في مؤتمر منذ عدة سنوات حين قدم محاضرة عن بعض أبحاثه التي ضمّنها لاحقاً في الكتاب المدروس. ويومها سألته إن كان سيكتب عن سوريا، وذكرت أن أبحاثه ستمكنه من أن يحصل على شهرة كبيرة إعلامية. لكنه لم يكن يرغب بمثل هذه الشهرة، وكلما سئل عن العلويين في سوريا اقتصر جوابه على الفترة العثمانية. وشخصياً أحترمه على وضوح موقفه رغم اعتقادي أن الكتابة فعل عام وعلى الإنسان أن يتحمل تبعاتها. لكن الانخراط في الشأن العام والقضايا المعاصرة يلزمه قدرة تحمل، ومعدة قوية كما يقولون. وأحس شخصياً بالامتنان الشديد للأستاذ وينتر على عمله الشاق الذي دام أكثر من ثلاث سنين وشمل أرشيفات في تركيا (اسطنبول وأنقرة) ولبنان (طرابلس) وسوريا (حلب) وفرنسا (باريس ونانت) وبريطانيا (لندن)، ومراجع بالتركية والعربية والفرنسية والألمانية بالإضافة إلى الإنكليزية.

اعتمد الكاتب على أرشيفات عثمانية لم يستخدمها أحد من قبل، وجدها في سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس (قصر نوفل)؛ بالإضافة إلى الأرشيفات العثمانية في اسطنبول وأرشيف رئاسة الوزراء والحرب العالمية والأوقاف في أنقرة. أما المصادر الفرنسية والإنكليزية فكانت من أرشيفات القنصليات في حلب واللاذقية وبيروت ومن كتابات عدد من الرحالة الغربيين إلى الساحل وجباله. كما نبه إلى أهمية الأدبيات المكتوبة باللغة التركية من كتب ومقالات ومخطوطات، والأدبيات العربية التي أنتجها علويون وخاصة كتاب خير الصنيعة في مختصر تاريخ غلاة الشيعة الذي جمعه المؤلف حسين ميهوب حرفوش (ت. 1959) من مخطوطات عائلته (صورة موجودة في المعهد الفرنسي في دمشق)، وإضافات إبراهيم حرفوش (ت. 1991) في كتاب المستدرك في خير الصنيعة (صورة موجودة في المعهد الفرنسي في دمشق).

ونلخص الأفكار الأساسية للكتاب بما يلي: أولاً، إن استخدام الأرشيفات العثمانية من أجل تسليط الضوء على تاريخ العلويين الذين اعتقدنا لفترة طويلة أن التاريخ نسيهم بسبب هامشيتهم كأقلية مضطهدة يثب عكس هذا الاعتقاد. كما أن الكتاب يطرح مقاربة جديدة لتاريخ الأقليات في شرق المتوسط عامة والعلويين خاصة، وهي أن اعتبار الأقلية كجماعة متماسكة من المواطنين يتعرضون لاضطهاد الدولة الممنهج بسبب معتقدهم هو اعتبار خاطئ؛ فلا الجماعة المتماسكة موجودة، ولا المواطنة موجودة، ولا السياسة المنهجية موجودة. وهي إن وجدت، كما في الفترة الحميدية وفترة حرب السفربرلك وبداية الجمهورية التركية، فإن هذه السياسية لم تكن موجهة نحو الإضطهاد الديني (بالنسبة للعلويين) وإنما نحو الإخضاع للسلطة المركزية وضرائبها وجيشها ومدارسها وشرطتها وسياساتها. ثانياً، إن نشوء العلوية-النصيرية كمدرسة دينية وكمجموعات عشائرية كان تدريجياً وأن هذه النشوء لم يكن مرتبطاً منذ البداية بهوية أقلوية تعشق الانغلاق والمظلومية وإنما كانت الدعوة منفتحة انتشرت في عدد كبير من المدن والقرى من العراق مروراً بالجزيرة وحلب وإلى بقية المدن السورية. إنها جزء من دراما انتشار الإسلام في سوريا والعراق والأناضول، ابتداءً من المدن الكبرى وانتهاءً بالأطراف والجبال حيث اختلط الإسلام بأديان قديمة وفلسفات عرفانية ونزعات مناطقية حاولت الانفلات من قبضة الممالك الكبرى وأرثوذكسياتها الإسلامية مثل السنية والشيعية الاثني عشرية والإسماعيلية الفاطمية. ثالثاً، منذ فترة المماليك ومروراً بمراحل الدولة العثمانية ما قبل التنظيمات ثم ما بعدها إلى الحكم الحميدي 1876، لم تكن سوريا أكثر من تجمعات سكانية شبه مستقلة لا تعرف من الدولة المركزية إلا الوالي والقائممقام والمتسلم وجنودهم ومراسلاتهم مع اسطنبول، أما القاضي والمفتي والآغا وصاحب الالتزام فهؤلاء محليون يمثلون المدينة والناحية فقط. وحتى لو اتبعنا التقسيمات الإدارية من أجل تحديد منطقة معينة لدراسة تاريخها فإننا ننتهي إلى التركيز على المدينة مركز المحكمة الشرعية ودفاتر هذه المحكمة ومراسلاتها القليلة مع مركز الولاية واسطنبول. وليس هذا بسبب نقص في الأرشيفات العثمانية وإنما لطبيعة الحكم الملكي القديم الذي يهتم بالمركز ويمتص الضرائب والخضوع من الأطراف فقط. رابعاً، مثل كل الجماعات السورية، كانت الجماعة العلوية مذررة، مستقلة ومتحاربة أيضاً، ومنقسمة إلى عشائر وقرى وتخضع لسلطات أمراء حرب (مقدمين) ومشايخ وملتزمين (جامعي ضرائب) محليين. ما نكتشفه عن منطقة القرداحة قد لا ينطبق على منطقة صافيتا، أو مصياف أو جبل الأكراد، وكلها تختلف عن منطقة أنطاكيا. بالطبع هناك أنساق مشتركة مثل صعود بعض المدن، ونشوء الملكيات الزراعية الكبيرة، وصعود أمراء الحرب هنا وهناك، لكن هذا لا يعني التواصل بين المجتمعات البعيدة عن بعضها، ولا يعني وجود طائفة متماسكة وهوية واحدة، ولا يعني وجود سياسة واحدة أو حتى ممارسات مجتمعية واحدة. وما ينطبق على المجتمعات السنية وتعاملها مع المحيطين بها من العلويين في اللاذقية قد لا ينطبق على المجتمعات المماثلة في حمص أو طرطوس أو أنطاكيا.

في الفصل الأول يرسم الكاتب مسيرة العلوية-النصيرية من فكر نخبوي لفرقة شيعية إلى إنتماء هوياتي لطائفة دينية. هذه المسيرة المقترحة ليست الوحيدة ولا النهائية، وكما في أي بحث تاريخي يقترح المؤرخ الخط الذي يصل بين عدة نقاط علام تاريخية بحيث تتحول كل نقطة إلى سبب لما يتبعها ونتيجة لما يسبقها. الفرقة تأسست مع محمد بن نصير النميري (ت 883) الذي ادعى أنه باب الحسن العسكري (ت 874) الإمام الحادي عشر للشيعة الاثني عشرية. يقترح الكاتب أن موت الإمام وادعاء وجود إمام ثاني عشر مغيّب قد فتت الفرق الشيعية في العراق في القرن التاسع. ومع أننا نعتبر اليوم، بالتطابق مع الشيعة الإثني عشرية، أن الفكر النصيري كان جزءاً من الفكر الشيعي المغالي (غلاة الشيعة) إلا أن الكاتب يحاجج بأن ظهور الإثني عشرية كمذهب لأغلبية الشيعة حدث أثناء الحكم البويهي للعراق بين منتصف العاشر ومنتصف الحادي عشر. وهذا يعني أن العلوية-النصيرية كغيرها من الأفكار الشيعية كانت تتنافس على المريدين وتحاول التحوّل إلى مذهب الأغلبية (الأرثوذوكسية). ويعتقد الكاتب أن الفرق الذي تبلور تحت حكم البويهيين بين الإثني عشرية وما سمي لاحقاً فرق الغلاة يتمحور حول ألوهية علي وثلاثية التفسير الباطني (المعنى) والاسم (أو الحجاب) والباب. أما الحلول والتناسخ فقد يكونان من مكونات التشيع المنتشرة في ذلك الوقت. خروج العلوية-النصيرية كدعوة (كل الفرق الشيعية كانت دعوات) من العراق كان مع حسين بن حمدان الخصيبي (ت 957، حلب الحمدانية) الذي اتجه إلى حلب الحمدانية آملاً أن يستميلهم إلى جانبه كما فعل الكثيرون. يزعم الكاتب أن الدعوة كانت نخبوية أي لم تتجه إلى عامة الشعب لأنها فلسفية صوفية. ومن حلب انتشرت الدعوة في جميع المدن السورية الكبرى من حران إلى صور ومن عانة إلى طرابلس. أما دخول الدعوة العلوية-النصيرية إلى جبال الساحل السوري فقد كان، حسب الكاتب، بطيئاً واستمر من العاشر إلى الثالث عشر.

عودة أنطاكيا وشمال غرب سوريا إلى الحكم البيزنطي بين عامي 969 و1084 م أعطى الدعوة حرية الحركة بعيداً عن الصراعات السياسية والدينية في سوريا القرن العاشر (ما يسمى بالقرن الشيعي). اتجهت الدعوة إلى أنطاكيا حسب الكاتب ثم إلى اللاذقية مع الداعية أبو سعيد ميمون الطبراني (ت 1034 م)، وهناك ادعاءات بأن بعض الأسر الأميرية التي سيطرت على بعض قلاع الجبال سمحت للدعوة بالانتشار أو شجعتها. لكن الأدبيات تشير بثقة أكبر إلى انتشار الدعوة من حمص وحماة وباتجاه طرطوس حتى وصلت إلى جبال اللاذقية في الثالث عشر. ويجب التنويه هنا إلى أن الدعوة كان تحولاً دينياً وليست حركة استيطان، أي أن تحول الجبال البطيء إلى العلوية-النصيرية لم يكن بسبب حركة لاجئين احتموا بالجبال. هذه الجبال لم تكن معروفة باسم واحد وإنما بأسماء كتل وقمم ولم تصبح إلا لاحقاً وفي وقت متأخر جبال النصيرية. نقطة العلام الأخيرة في ظهور الطائفة كمجموعات عشائرية التنظيم حسب الكاتب كانت مع قدوم المكزون السنجاري (ت 1240) إلى جبال اللاذقية ومن ثم جبال حماة بدعوة من مجموعات علوية-نصيرية رأت أنها معرضة للهزيمة والاندحار تحت ضربات عدوان مثلث الإسماعيليين (النزاريين) والفرنجة والأكراد (الأيوبيين كما يزعم الكاتب). التراث العلوي يزعم أن العشائر العلوية انحدرت من أولاد وأحفاد المكزون. ولذلك يعتقد الكاتب بأن الهوية الجمعية (ليست مجموعة فكرية وإنما قبيلة وطائفة) تبلورت مع قدوم المكزون وجيشه من جبل سنجار. التراث العلوي الحديث يزعم أن المكزون كتب عدة مؤلفات بلورت الفكر العلوي، ويجعل الكاتب هذا الادعاء مقابلاً لبلورة الهوية الطائفية للجماعات العلوية-النصيرية.

يرسم الكاتب في الفصل الثاني صورة حية للعلاقات داخل المجتمعات العلوية وبين المجتمعات العلوية والإسماعيلية والشيعية والدرزية والسنية في مناطق مختلفة من مصياف إلى جبلة إلى جبال كسروان إلى دمشق. هذه العلاقات قد تكون سلمية في منطقة وعدائية في منطقة أخرى، ولا تدل على سياسة شاملة. وحتى ضمن المجتمعات العلوية ظهرت منافسة عقائدية بين عدة فرق، وذكرت المصادر أن رجال الدين العلويين المدعين تمثيل أرثوذكسية علوية حاربوا هرطقات داخلية ممثلة بالأفكار الإسحاقية والأفكار الحلولية. كما قامت حروب بين بعض الفئات الإسماعيلية والعلوية من أجل السيطرة على المعاقل الجبلية في ريف حماة الغربي. وفي عام 1305م انطلقت حملة مملوكية من دمشق بقيادة قادة عشائريين دروز باتجاه قرى كسروان الدرزية والشيعية لأسباب تتعلق بالضرائب. وعام 1318 م انطلقت حملة أخرى من جبلة نحو بلاطانوس (القرداحة) للقضاء على تمرد ديني عسكري بقيادة شخص ادعى أنه المهدي وهاجم القرى وجمع الغنائم ووزعها على أعوانه وحاصر جبلة. قتل المدعي في الحملة وسقط كثير من أتباعه وأعاد المماليك بقية الأتباع إلى قراهم. وقد سبق الحملة بعدة سنوات مسح شامل للسكان والأراضي في الجبال من أجل فرض السلطة المركزية وإضعاف سلطة الأمراء المماليك وتحديث المعلومات الضريبية. صاحَب الحملة تبريرات دينية مثلما صاحب حملة كسروان، منطلقها قنونة التعامل مع الفرق غير السنية وخاصة مسألة الإعتماد عليها لحماية الساحل من هجمات صليبية محتملة. يعرض الكاتب الروايات التاريخية المعروفة لهذه الحملة ويوضح كيف تناقلها المؤرخون وزادوا في لهجتها الدينية مع الزمن. في هذا السياق ذكر الكاتب فتوى ابن تيمية (ت. 1328 م) بخصوص تكفير العلويين أوضحت مدى جهل صاحب الفتوى بالفرق بين العلويين والرافضة والقرامطة، مما يدل على أن الفتوى عامة تشمل كل الفرق “الضالة”. النسخة الثانية من الفتوى والمنسوبة لابن تيمية تخلط بين العلويين والدروز والنسخة الثالثة استخدِمت لإنتاج تبرير ديني لحملة عام 1318 م، وهي تشبه الفتاوى التي استخدمت في تبرير حملة كسروان. أخيراً، يذكر الكاتب ضريبة مجهولة فرضها المماليك على بعض المناطق العلوية تسمى “درهم الرجال” وهي ضريبة على الأفراد وليست على الأراضي. وهي تشبه بذلك الجزية لكنها ليست جزية لأنها لم تُفرض على كل المناطق العلوية، ويبدو أنها كانت ضريبة تأديبية.

ويناقش الفصل الثالث دخول الجبال الساحلية ضمن الإمبراطورية العثمانية في حروب السلطان سليم (1516 م) ضد أعدائه الصفويين الذين حاولوا بسط نفوذهم على المناطق الشرقية من الأناضول والتي تسكنها فرق دينية صوفية (مثل العلوية والبكداشية) قريبة من مذهب التشيع الذي اعتمده الصفويون (في الحقيقة كانت هذه المناطق شبه مستقلة وأعاد سليم إخضاعها). حملة التصفية لشيعة حلب ومن جاورهم من العلويين أثناء دخول السلطان سليم إليها لا تقوم على أدلة تاريخية قوية. ويعتقد الكاتب أن الشيعة في حلب اقتصروا على بعض القرى بعد تحوّل حلب إلى التدين السني أثناء حكم الزنكي والأيوبي. لكن الكاتب يكشف النقاب عن تمرد في المرتفعات العالية شرق جبلة عام 1518 م. التمرد محلي (أول ذكر لعشيرة الكلبية) ويماثل تمرد 1318 إذ سبقه مسح ضريبي للمناطق الجبلية ولعموم سوريا من أجل إدخالها في البيروقرطية العثمانية وتقدير الضريبة التي يجب فرضها. وهذا يقودنا إلى أن فكرة الملجأ الجبلي لفرقة دينية مضطهدة، هي فكرة حديثة لبناء المظلومية لا تدعمها الأدلة التاريخية. كل الأفكار التي لا تنجح في المراكز الحضرية الكبرى تتجه نحو الأطراف، حيث يتماهى التمرد السياسي على المركز مع الهرطقات أو التمرد الديني. لم يلجأ العلويون إلى جبال الساحل ولا الموارنة والدروز إلى جبال لبنان ولا الشيعة إلى جبل عامل ولا الإسماعيليون إلى مصياف ولا اليزيديون إلى جبل سنجار. هذه المناطق لم يصلها الإسلام كما لم تصلها المسيحية إلا في مراحل متأخرة وبأشكال مختلفة عن أرثوذكسيات المدن الكبرى؛ والخليفة أو الملك لم يكن رئيس الدعاة ولم تتعدَ همومه جمع الضرائب من رعيته. وعلى العكس كان الإتهام بالهرطقة فرصة لفرض الضريبة التأديبية أكثر منها لقتل الفلاحين إذا لم يكن استبدالهم سهلاً.

تابع العثمانيون فرض ضريبة “درهم الرجال” (الأرشيفات تغطي الفترة بين 1519 إلى 1646 م) لقرن من الزمن على بعض المناطق العلوية مما مكن الكاتب من التعرف على القرى التابعة للنواحي الجبلية المختلفة (فقط القرى التي دفعت الضريبة) وكيف تعامل معها العثمانيون. هذه النواحي هي من الجنوب إلى الشمال صافيتا، القليعة، الخوابي، الكهف، جبلة، بلاطانوس (القرداحة)، وصهيون، واللاذقية. الهم الأكبر كان مسح هذه القرى وتقييم الضريبة وجمعها، وليس التأديب على أساس ديني رغم أن عبارات مثل “المتمردين” و”الرافضة” و”النصيرية” و”الفئات الضالة” ترددت في الأرشيفات، وهناك تعابير مشابهة للفئات المتمردة الأخرى في الإمبراطورية. أنهى الكاتب الفصل بمراسلة موجهة عام 1584 من الباب العالي إلى طرابلس ينوه الباب العالي فيها إلى تسلمه العريضة التي تتحدث عن جلب “الطائفة النصيرية من الروافض” الخمر وبيعه في أسواق المدن وإلى قبوله اقتراح طرابلس بفرض ضريبة الخمر وضريبة الدمغة وضريبة الميزان على هؤلاء البائعين في أماكن البيع مثل حمص وغيرها من الأماكن المذكورة في العريضة.

الفصل الرابع يقسم علويي الجبال إلى قسمين، شمالي يتجمع حول القرداحة والبهلولية وبيت شلف وجنوبي يتجمع حول صافيتا. القسم الجنوبي غلبت عليه القيادة الإقطاعية العشائرية. وهذا نسق اشتركت فيه كل المناطق السورية بسبب اتباع الدولة لسياسة لامركزية (في القرنين السابع والثامن عشر) تعتمد على جباية الضرائب (إقطاع، مزارع ضريبية، ضمان، إلتزام) من العشائر القوية المحلية؛ مثل بيت شمسين وبركات وصقر ورسلان في صافيتا. وكان لعشيرة الرسلان دور سياسي في المنطقة من خلال حروبهم مع الإسماعيليين في مصياف واشتراكهم في المنافسة بين والي دمشق ووالي طرابلس. أما القسم الشمالي فغلبت عليه قيادات عسكرية (مقدمون) اعتمدت في مدخولها على قطع طريق حلب اللاذقية وغزو القرى. وهو الأمر الذي لا نزال نراه الى هذا اليوم، إذ أن عائلة الأسد لا تزال في معظمها عصابات وشبيحة (الأعمام وابناء العم). صعود اللاذقية في أواخر الثامن عشر وبداية التاسع عشر كمرفأ تجاري للحرير والتبغ ومنتهى القوافل بين حلب واللاذقية المحملة بالبضائع لحساب الفرنسيين والتجار المحليين جعل من الضروري صعود العداء بين أصحاب المال وبين قطاع الطرق في الجبال. الفرنسيون تعاملوا مباشرة مع قادة الغزو ودفعوا لهم إتاوات مقابل حماية القوافل، أما أهل اللاذقية فاعتمدوا على المتسلم العثماني وعلى جنوده وعلى التجييش الديني. وأهم المشاكل ذات الطابع الطائفي كانت بين عصابات القرداحة والبهلولية وبيت شلف وببن تجار اللاذقية ومشايخها. ولذلك كان هؤلاء يدفعون متسلم اللاذقية ليضرب العصابات بقوة؛ وطبعاً كانت هذه القوة تشمل القرى وأهلها وتعتمد أحياناً على فتاوى دينية وأحياناً على رغبة المتسلم في تحسين سمعته أمام الباب العالي. فكانت كل حملة على القرى العالية تنتهي بجلب العديد من الرؤوس المقطوعة وإرسالها إلى اسطنبول على أنها رؤوس قطاع الطرق. وكان رد العصابات عشوائياً مثل عمليات المتسلم، فكان يشمل القرى والمدن وينتهي بالحرق والقتل والسلب. وهذه قصة تشبه قصة حمص مثلاً مع البدو. لكن البدو لم يطوروا هوية طائفية وإن كانت القبائلية ليست ببعيدة عن الطائفية لكنها دون قصة مظلومية.

الفصل الخامس يناقش الفترة المحورية من أول القرن التاسع عشر إلى احتلال إبراهيم باشا لسوريا وأثناء فترة حكمه. قبل عام 1831 كانت سوريا تعج بأمراء الحرب، مثل حالها اليوم. فكان السلاح منتشراً وسلطة الدولة ضعيفة والمنافسة شديدة بين المتسلمين في المدن وأمراء الحرب في البوادي والقرى والجبال. بعض هؤلاء كانوا سنة عرباً وبعضهم بدواً وبعضهم أكراداً (جبل الأكراد) وبعضهم دروزاً وبعضهم علويين (بعضهم تركمان إلا أن تسمية جبل التركمان حديثة جداً). المعارك والمناوشات كانت كثيرة وكان لبعضها صفة طائفية. ولا ننسى أن المدن أيضاً كان فيها أمراء حرب (أنظر مسلسل الحصرم الشامي عن أغاوات المدن). طبعاً البسطاء والفلاحون كانوا وقود هذه المناوشات. وأهم مثال على تحول بعض هذه المناوشات بين أمراء الحرب إلى حرب طائفية تدخلت فيها الدول هي أحداث 1860 في جبل لبنان ودمشق. إنها فعلاً كانت حرب أمراء عصابات تحولت إلى مجازر (ضد الطرف الخاسر) لأسباب اقتصادية وسياسية واستراتيجية. وقبل ذلك تحالف بعض قادة العلويين في الشمال مع إبراهيم باشا ثم لم يلبثوا أن انقلبوا عليه بالتعاون مع الدولة العثمانية نفسها، وذلك لأنه أراد سحب سلاحهم وإدخال أولادهم في الجيش الجديد. في الحقيقة طبق إبراهيم باشا إصلاحات واسعة وجذرية وأعطى الجميع حقوق المواطنة وأنشأ المجالس المحلية وأعطى حصصاً للأقليات فيها. لكن العقلية العشائرية انتصرت لأنها كانت ولا تزال قوية في سوريا. أما بعد خروج إبراهيم باشا عام 1841 فإن الدولة العثمانية دخلت في مرحلة إصلاحات هائلة أدت إلى صعود فاعلين اجتماعيين جدد وهبوط آخرين في كل المناطق.

يبدأ الفصل السادس بالعهد الحميدي (1908-1876) وهو قمة التغيير الذي بدأته التنظيمات، والذي أدى إلى نشوء دولة مركزية قوية حديثة على النمط الأوروبي؛ وما يتبع ذلك من محاولات لحشر الرعية في إطار المواطنة الذي تنازعته قوتان، قوة العثمانية والإنتماء للدولة كمواطنين لهم حقوق وواجبات، وقوة الهوية الإسلامية التي استخدمها السلطان عبد الحميد لوقف التدخل الغربي السياسي وتقدم البعثات التبشيرية دينياً وثقافياً. ولم يكن رد فعل العلويين على السياسة الحميدية بإنشاء مساجد ومدارس عداءاً محضاً، وإنما اختلف من منطقة إلى أخرى باختلاف الاستفادة أو القدرة على الاستفادة من الإصلاحات وباختلاف تعسف الأعيان المحليين وممانعتهم لتنفيذ قرارات الدولة. كثيرون استفادوا من افتتاح المدارس في مناطقهم والمشاركة في المجالس البلدية، وكتبوا عرائض للدولة وطالبوا بما يعطيهم القانون من حقوق. كما ساعدت هذه الإصلاحات، رغم كل أخطائها وعثراتها، على نشوء طبقة وسطى علوية متعلمة ونهضة أدبية ومعلمين حاولوا نشر التعليم في القرى النائية ووعي سياسي تطور في فترة الانتداب الفرنسي إلى وعي طائفي انفصالي عند البعض أو إلى وعي عروبي يطلب الاتحاد مع المركز عند البعض الآخر. وقد أحسن الكاتب في هذا الفصل بجمع تاريخ التجمعات العلوية في كيليكيا وأنطاكيا وسوريا، مما ساعده على توضيح الأنساق التاريخية المشتركة والأخرى غير المشتركة. بالنسبة للدولة التركية الكمالية فقد تابعت إصلاحات الفترة الحميدية وأعطت للمجتمعات العلوية في كيليكيا (هاجرت في عهد إبراهيم باشا) وأنطاكيا فرص كثيرة للتطور الإقتصادي والمجتمعي وحرية دينية. لكنها اتبعت سياسة إندماج قائمة على الإنتماء التركي العرقي واللغوي. هذه الفرص جذبت حتى بعض العلويين من الشمال السوري في أوائل الإنتداب الفرنسي، فالكاتب يكشف عن مراسلات بين الشيخ صالح العلي وكمال أتاتورك عرض فيها الأخير إدخال المنطقة التي يسيطر عليها الشيخ في الاتحاد التركي العلماني.

الكتاب الذي بين أيدينا مثير فعلاً ويجب أن يقرأه الجميع، ويحتوي على كم هائل من المعلومات الأرشيفية تحتاج إلى عدة كتب لتكشف أهميتها وتبعاتها. إنه تاريخ منطقتنا بأسرها في مسيرتها التحديثية الطوعية أو المفروضة. بعض ما قدمه الكاتب فرضيات وقراءات مطاطة للمراجع التاريخية (وهي بطبعها غامضة وقابلة للمط) لكنها تشير إلى وجود منظومات تفسيرية أخرى غير المظلومية والاضطهاد الممنهج والعلاقة الإشكالية. ولابد من القول بأن ظهور الطوائف مرتبط بالدولة الحديثة وفرض سياسات مركزية منهجية معممة وتأطير المجتمعات المحلية ضمن الحلقة الاقتصادية-السياسية للدولة مثل الضريبة والخدمات والتجنيد والتعليم والإقتصاد الوطني والضمان الإجتماعي. الطائفة مفهوم سياسي أساسه توحيد الهوية من أجل توحيد التمثيل السياسي وبالتالي توحيد الفوائد والمضار التي تأتي من جهة الدولة. يمكن أن نتكلم عن أيديولوجية سنية للدولة العثمانية لكن لا يمكن أن نتكلم عن طائفة سنية أو طائفة علوية أو مسيحية. الدولة القديمة كانت تستعين بالدين لتأكيد شرعيتها، لكنها لم تكن تقوم بالضرورة بفرض مذهب معين أو دين معين أو معاقبة فئات اجتماعية لأنها كافرة. فتوى ابن تيمية لم تكن سياسة رسمية للدولة المملوكية، والحملات التأديبية، إن وجدت، لم تكن لمجرد معاقبة الهراطقة وإنما كانت لأسباب متعلقة بالدولة ثم قام علماء الدين بتبريرها من منطلق شرعي. إن الحل في سوريا ليس في متابعة ممارسات الدول القديمة وأمراء الحرب والطوائف من الطرفين وإنما في إيجاد نموذج للعيش المشترك تحت سقف دولة المواطنة وتكافؤ الفرص والحريات.

معلومات عن الكتاب:

عنوان الكتاب: (تاريخ العلويين: من حلب القرون الوسطى الى الجمهورية التركية)

A History of the ‘Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic.

المؤلف: ستيفان وينتر.

دار النشر: جامعة برينستون،2016

عدد الصفحات:

————————————-

«حلب العلَوية»/ حسام جزماتي

يوم الجمعة الفائت، 24 نيسان، مرت الذكرى المفترضة لمجزرة التلل. هل هذا التاريخ خاطئ؟ نعم، ولكن ذلك أبسط معالم زيف هذه القصة.

تقول الرواية، التي تعد أحد أبرز ركائز المظلومية العلوية: إن القوات العثمانية، المتقدمة في سورية، أقدمت على مذبحة في حق أهالي مدينة حلب إثر انتزاعها من يد المماليك في معركة مرج دابق. وأن هؤلاء السكان من العلويين المتبقين من عهد الحمدانيين. وقد قتل منهم أربعون ألفاً، أو تسعون، وصولاً إلى مائتي ألف، من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ وعلماء الطائفة، جُمعت جماجمهم فصنعت تلالاً أعطت حي (سوق حالياً) التلل المعروف اسمه. المسؤول المفترض عن هذه المجزرة هو السلطان العثماني سليم الأول، بالاستناد إلى فتوى ابن تيمية الشهيرة ضد العلويين، وقد أعاد إنتاجها في تلك الأيام من يطلقون عليه اسم «الشيخ نوح الحنفي الدمشقي». أفضت إلى هروب من نجا إلى الساحل، وتسنّن من تبقى، وانتهاء دور حلب كحاضرة علوية منذ نشأة المذهب واستيطان الخصيبي فيها. الدليل الشائع ذكره عند الحديث عن هذه المجزرة هو رسالة مزعومة وجّهها قائد الحملة العثمانية لمولاه السلطان سليم، يدّعي رواة القصة أنها محفوظة في «مكتبة ستراسبورغ الوطنية الجامعية الفرنسية، قسم المخطوطات العربية». ودون أن يقدّم أحدهم صورة لها فإننا يجب أن نصدق وجودها بسبب ما يتداولونه من افتتاحيتها الركيكة: «تحيات إجلال مقامات: تنفيذاً لأوامر سعادات، فقد تم تنفيذ القرارات والتوصيات»!!

في كتابه المهم المترجم حديثاً، «تاريخ العلويين من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية

«، يحاجج ستيفان وينتر ضد هذه المجزرة المزعومة رغم دورها المفصلي في تشكيل مخيال الهوية الجمعية العلوية. فإن أياً من كتب التاريخ العربية أو العثمانية لم يذكرها، بل قوبل العثمانيون بالترحاب من السكان الذين لم يكونوا علويين، على كل حال، بعد خمسة قرون على سقوط إمارة الحمدانيين الذين كانوا شيعة «بشكل من الأشكال» غير واضح المعالم. وقد أتاح بلاط أميرهم سيف الدولة لعلماء الإمامية، بمدارسها المختلفة، الحضور والتأثير. وكان بين هؤلاء حسين بن حمدان الخصيبي، أحد أبرز دعاة الجماعة العلوية ومؤسسيها. دون أن يعني هذا أن الحمدانيين صاروا علويين، فضلاً عن تحول السكان إلى هذا المذهب ومحافظتهم عليه خلال تلك المدة الساحقة التي حكم فيها الزنكيون والأيوبيون. ناهيك عن أن الشيخ نوح، الذي تنسب إليه الطبعة الجديدة من فتوى ابن تيمية لاستباحة دماء العلويين، شخص غير موجود خارج هذه القصة ولا تذكره كتب التراجم. وأخيراً فإن ابن تيمية لم يكن، في ذلك الزمان، مرجعاً جليلاً كما سترسّخه الدعوة السلفية (الوهابية) والحروب الشرق أوسطية لاحقاً. وخاصة لدى السلطان سليم الذي عُرف بتشييد جامع المتصوف الشهير محيي الدين ابن عربي بدمشق، لا بالميل إلى ابن تيمية الحنبلي.

ستحضر سردية «اضطهاد العلويين» واعتزالهم في «الملاذ الجبلي» خلال «الحكم السنّي القروسطي» بتأثير «متلازمة ابن تيمية»؛ كلما احتاجت صراعات راهنة إلى تبرير نفسها بعمق تاريخي مزعوم. وهو ما يفسّر عودة حكاية «مجزرة التلل» إلى الانتشار مجدداً، والدور الذي لعبته في إثارة الذعر وتغذية الأعمال العسكرية، إلى درجة ذكرها في «مجلس الشعب» السوري منذ شهرين

، في إطار العداء للعثمانيين ووريثهم المفترض، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وفي سياق ترسيخ «نصر حلب» الذي أسفر عن سيطرة قوات النظام على مساحات واسعة من المحافظة، مستكملة ما سبق أن أنجزته باحتلال القسم المحرر من أحياء المدينة في أواخر 2016، عندما حرص العميد سهيل حسن (النمر)، القائد الشهير في قوات الأسد، على التقاط صورة ظفر تذكارية له عند ضريح الخصيبي والإيعاز ببدء ترميمه فوراً.

غير أن الحملة الأخيرة لقوات النظام منذ أشهر كشفت عن حكاية أخرى كانت تقبع في الظل المحلي، حين أقدم شبّيح منتصر على إهانة مقدسات الثوار المهزومين في كفر داعل

، لينفتح الباب على قصة عمرها أكثر من نصف قرن، هي حكاية تبشير علوي أنتج عشرات آلاف ممن يعرفون بوصف «النصوحيين».

وفق وثيقة كتبها أحد البارزين من هذه الجماعة فإن الشيخ حسن ديب حجل (ت 1976 م) استجاب لرؤيا تدعوه إلى مغادرة قريته المِجْوِة قرب مصياف والسفر إلى ريف حلب في أربعينيات القرن العشرين. بعد استشارة مشايخه، الذين سينصحونه بتلبية النداء، سيرحل للإقامة في قرية النيرب قرب المطار، وسيعرّف عن نفسه كشيخ قادم من حماة باسم حسن نصّوح. وسيستغل الأجواء الرمزية الصوفية لبث دعوته بشكل سرّي حتى اعتنقها عدد من الرجال الذين سيصبحون، مع مرور السنين، رؤوس عائلات كبيرة بحكم السلالة. وهكذا سيغدو حوالي نصف أهالي كفر داعل وخان العسل من العلويين، بالإضافة إلى نسبة ملحوظة من سكان قرية المالكية قرب النيرب، وبعض عائلات قريتي القراصي وعبطين جنوب حلب، وسلقين في إدلب، وأماكن أخرى.

مع تزايد الأعداد سيفصح المعتنقون الجدد عن مذهبهم حيثما قويت شوكتهم، ولا سيما بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة وشملهم بحمايته. وسيسافرون دورياً إلى مناطق الكثافة العلوية في الوسط والساحل للتبرك بالمزارات ولقاء المشايخ. ورغم الشرخ الاجتماعي الحاصل في قرى ريف حلب هذه لن يحدث عداء سياسي كبير بين أبنائها طالما لم ينخرط علويوها بشكل كثيف في أجهزة الأمن والجيش، مكتفين بمناصب مناطقية متوسطة. غير أن كل شيء سيتغير بعد قيام الثورة، عندما وزّع النظام البنادق الروسية على عدد من الشبان، المنتقين طائفياً، لقمع الاحتجاجات التي سرعان ما ستنحو إلى التسلّح أيضاً.

ففي كفر داعل، كمثال مركّز، جرى توزيع 150 بارودة ستصبح من نصيب الثوار الذين أحاطوا ببيوت من استلموها في ليلة واحدة مباغتة واستولوا عليها، لتكون تلك خطوة فارقة في نشوء المجموعة المحلية لحركة معارضة ذات اسم دال سنّياً، هو «نور الدين الزنكي»، ويبدأ التهجير والتهجير المضاد.

تلفزيون سوريا

———————–

لتحميل الكتاب

تاريخ العلويين من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية/ستيفان وينتر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق