الناس

هل تحاسب ألمانيا نظام الأسد على جرائم العنف الجنسيّ؟/مايا العمّار

يدرك النظام السوريّ جيّداً أنّ الاغتصاب والعنف الجنسي والتعرّض للنساء، والرجال أيضاً، هي جرائم من الصعب الإبلاغ عنها في المجتمع السوري، فراح لعقود يستفيد من هذه الثقافة ويستثمر فيها، لكن هناك من قرر أن يواجه الأمر…

بالنسبة إلى الناجيات والناجين من وحشيّة النظام السوري، ليس 17 حزيران/ يونيو 2020 يوماً عادياً، ذلك أنّ 7 سوريّين تقدّموا بدعوى أمام النيابة العامّة الألمانيّة ضدّ 9 مسؤولين في الحكومة السوريّة وجهاز المخابرات الجويّة، لارتكابهم جرائم عنف جنسي وعنف قائم على النوع الاجتماعي بحقّهم خلال فترة اعتقالهم في مراكز احتجاز النظام.

“لا أستطيع التآلف مع هذه الفكرة. مع فكرة أنّ هناك نساء قبعن في سجون انفراديّة لا تتجاوز مساحتها الـ80 سنتمتراً. نساء شُوّهن نفسيّاً، وأُسمعن آياتٍ قرآنيّة خلال تعذيبهنّ للنيل من كرامتهنّ، وحُرمن من الملبس والاستحمام، وحتّى الفوط الصحّية، فافترشن الأرض وحيدات مع دمائهنّ لأشهر. وحين خرجن من السجن، لم تعاملهن مجتمعاتهنّ كمُنتهَكات يستحققن الحماية، بل قابَلَتهنّ بالنبذ والملامة”.

بهذه العبارات، وصفت سيما نصّار، المديرة التنفيذيّة لمؤسّسة “أورنامو” حالها يوم الإعلان عن تقديم دعوى قضائيّة مدعومة من “المركز الأوروبي للحقوق الدستوريّة وحقوق الإنسان” ECCHR، إلى جانب “شبكة المرأة السوريّة”، ضد المخابرات الجويّة السوريّة لارتكاب عناصرها جرائم عنف جنسي وجندري أو غضّهم الطرف عنها. والجدير بالذكر هو أنّ هذا الجهاز من أشرس الأجهزة الأمنيّة في سوريا، وما صورُ “قيصر” التي وثّقت مقتل آلاف المعتقلين وتشويههم سوى دليل على ذلك.

الحقوقيّات السوريّات المعنيّات بهذه الدعوى والناشطات في حملة “طريق سوريا إلى العدالة” الداعمة لها، اللّواتي تحدّث معهنّ “درج” بعد تقديم دعوى 17 حزيران، أكّدن جميعهنّ أنّ معظم العائلات في سوريا لم تبرح عادة وصم ضحايا هذه الانتهاكات، وما زالت تستند إليها لإقصاء النساء الناجيات منها، وعرقلة مشاريعهنّ الحياتيّة والمهنيّة والعاطفيّة، وصولاً إلى تطليقهنّ فور مغادرتهنّ السجن، فيما هنّ اللواتي عُذّبن في الأصل، لا العكس.

مَن المُدّعيات والمُدّعون على المخابرات الجويّة السوريّة؟

ربّما ظنّ مرتكبو هذه الفظائع أنّ ضحاياهم سيخشون مقاضاتهم، أو أنّ مرور الزمن سيُسقط الماضي في فجوات الذاكرة، أو أنّ القلق من التمييز الاجتماعي السائد أو الخوف على الأحبّاء داخل سوريا، سيردع الناجيات والناجين عن البوح بما أُنزِل عليهم من ويلات واتّخاذ الخطوات القانونيّة اللازمة. لكنّ 7 سوريّين أثبتوا أنّ هذا الظنّ واهن، مُعلنين مرّةً جديدة أنّ الضرر لا يُرفع بلا الاعتراف بوجوده، وهذا أضعف الإيمان.

تراوح المُدّعون والمدّعيات المقيمون حاليّاً في دول أوروبيّة عدّة بين 5 مُدّعين مباشرين، ومدّعَين اثنين ناجيَين أيضاً من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، غير أنّهما انضمّا إلى الدعوى كشاهدَين -لا كمدّعين مباشرين- على الجرائم التي شهدا عليها داخل زنازين النظام، وتحديداً فروع المخابرات الجويّة في دمشق وحلب وحماة، كما تشرح المحامية جمانة سيف لـ”درج”، وهي حقوقيّة متابِعة للدعوى، وباحثة مع مركز ECCHR، ومؤسِّسة في “شبكة المرأة السوريّة” و”الحركة السياسيّة النسويّة السوريّة”.

جميع المُدّعين هم من شرائح عمريّة شبابيّة ساهموا في النشاط الإغاثي والتظاهر السلمي في سوريا بين عامَي 2011 و2013، بينهم 3 رجال و4 نساء، نجوا جميعاً من ممارسات التعذيب والاعتقال لفترات تجاوزت في بعض الحالات العام الواحد.

يشرح مركز ECCHR، ومقرّه برلين، أن الشكوى تستهدف 9 مسؤولين كباراً في الحكومة السوريّة والاستخبارات الجويّة، بينهم الرئيس السابق لأجهزة المخابرات في القوّات الجويّة، جميل حسن، المُلاحق بتهمة ارتكاب “جرائم ضد الإنسانيّة” بموجب مذكّرة توقيف دوليّة من ألمانيا وفرنسا.

وأتت هذه الشكوى فيما تنفّذ محكمة كوبلنز في ألمانيا منذ نيسان/ أبريل 2020 المحاكمة الأولى التي تنظر في ممارسات تعذيب منسوبة إلى نظام الأسد، وتحديداً فرع الخطيب الأمني.

الولاية القضائيّة العالميّة: نافذة السوريّين إلى العدالة

في السنوات القليلة الماضية، بدا مبدأ الولاية القضائيّة العالميّة وكأنّه الحليف الوحيد للسوريّين الذين أنهكهم نظام الأسد على مرّ عقود من الزمن، وليس فقط التسعة أعوام الأخيرة التي أعقبت اندلاع الثورة السوريّة، وذلك في ظلّ تغييب آليّات المحاسبة الأخرى، كإحالة الملفّ السوري إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة التي وقفت في وجهها الدولة الروسيّة عبر استخدامها حقّ النقض مراراً، وتأخُّر المجتمع الدولي في ترجمة إداناته اللفظيّة لنظام الأسد إلى اعتراف جدّي بجرائمه ومحاسبة مقترفيها.

والولاية القضائيّة العالميّة مبدأ يمكن الركون إليه في حالات عدّة، أبرزها مقاضاة الجناة المسؤولين عن ارتكاب جرائم ممنهجة وواسعة نطاق ضد مجموعة من المدنيّين، بالاستناد إلى القانون الجنائي الدولي ونظام روما الأساسي الذي يعطي الصلاحيّة بالاختصاص للدول الموقّعة عليه ويُلزمها بسنّ قوانين جديدة أو تعديل قوانينها الوطنيّة، بما يتناسب مع مبادئه التي تمدّ الدول المنضمّة إليه بإمكان التحقيق في هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها.

والحال أنّ الولاية القضائيّة في ألمانيا ليست ولاية محدودة، بل مفتوحة، أي أنّها تسمح بالمباشرة في التحقيق والملاحقة من دون اشتراط وجود الضحايا أو الجناة على أراضيها، كما هي الحال في فرنسا مثلاً التي أصدرت حكماً بسجن رفعت الأسد على خلفيّة تهم بغسل الأموال والكسب غير المشروع.

جميع الدعاوى الناظرة في جرائم التعذيب والجرائم ضد الإنسانيّة والتجاوزات الماليّة قُدّمت بالاستناد إلى مبدأ الولاية القضائيّة العالميّة في بلدانٍ مثل ألمانيا وفرنسا والسويد والنرويج والنمسا، ومنها 4 دعاوى تقدّم بها مركز ECCHR منذ عام 2013 حتّى الآن، طالباً فيها محاسبة مسؤولين في المخابرات العسكريّة والجويّة وسجن صيدنايا على جرائم ارتكبوها بشكل ممنهج، كما هي حال معظم الجرائم التي اقترفها النظام في سوريا.

التحقيقات الدوليّة تفتقر إلى التحسّس الجندري

المفارقة الكبرى هي أنّ هذه الدعاوى لم ترتكز في التحقيقات الخاصّة بها ومختلف مراحلها القضائيّة إلى مقاربة متحسّسة للفروقات الجندريّة، وواعية لاحتمال ارتكاب قصدي لسلسلة من الجرائم القائمة على العصبيّة الجنسيّة والجندريّة. فلم تتقصَّ كما ينبغي جرائمَ العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، الأمر الذي يكاد يشطب احتمال الاعتراف بوقوع هذه الجرائم بشكلٍ ممنهج وواسع النطاق، لا بشكلٍ عفوي أو فردي، ما ينذر بخطر إهمال إنصاف ضحاياها واستبعادهم عن مسارات تحقيق العدالة.

دفع هذا الواقع بالحقوقيّات إلى التعجيل في تحريك الدعاوى المرتبطة بالعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والإضاءة على وجوب أن تشتمل العدالة ضحايا هذا العنف وأن تقرّ الأنظمة القضائيّة بتصنيف قانونيّ يُبيّنها على حقيقتها، أي كجريمة ضدّ الإنسانيّة، ذلك أنّه في السياق السوري، كما في رواندا والبوسنة وغيرهما من الدول التي أُغرقت في وحول العسكرة والحروب، هذا العنف كلّه يُرتكب بشكل قصدي ومتكرّر ضد شريحة من المدنيّين، بهدف إخضاعها وإسكاتها وتجريدها من حقّها في التعبير السياسي ونثر بذور التغيير.

صوّبت هذه الملاحظة على ثغرات عدة تشوب المسارات القضائيّة الدوليّة بمختلف مراحلها، تحديداً لجهة نقص تحسّس أنظمة التحقيق والاستجواب والمحاكمة وبرامج حماية الضحايا لطبيعة العنف المبني على النوع الاجتماعي وآليّاته وتأثيراته، وضعف الخبرات التخصّصيّة المُستقطبة إلى هذا المجال.

في الماضي غير البعيد، أسّست محاكمات رواندا لسوابق أفرزت مقاربات جديدة وتغييرات جوهريّة في كيفيّة النظرة إلى جرائم العنف الجنسي وغاياتها وأساليب ارتكابها، وقدّمت مفهوماً أوسع ممّا هو متصوّر عنها، والذي غالباً ما كان يُختزل بالانتهاكات الجسديّة المباشرة والاغتصاب. فالعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي يشتملان أيضاً على الإساءات اللفظيّة والنفسيّة، والتهديد بارتكاب العنف وتشويه السمعة والتعرّض لأفراد الأسرة، والتحرّش البصري والجسدي والكلامي، والتعرية القسريّة، وخلع الحجاب الذي يُعدّ بحد ذاته تعريةً وفعل إذلال للكثير من المحجّبات.

في هذا الإطار، تقول جمانة سيف لـ”درج” إنّ “لهذه الدعوى أهميّة بالغة، لأنّ الاعتراف بهذه الجرائم وأشكالها وطبيعتها الممنهجة وتوصيفها كجريمة ضدّ الإنسانيّة يؤسّس اليوم لما سيكون عليه مستقبل العدالة لسوريا. أمّا إهمالها فيعني أن لا طريق لضحاياها إلى العدالة”.

وتتابع سيف، “على الأجهزة القضائيّة بكلّ أقسامها وأجهزتها أن تعي أن تأثيرات هذه الجرائم عميقة جدّاً، لذا يجب استقطاب خبرات متخصّصة بالمجال الجندري للتعامل معها، وخلق الأجسام اللازمة لضمان وصول ضحاياها إلى العدالة وإشعارهم بالحماية والأمان”.

بالنسبة إلى سيف، النقطة الأساسيّة تكمن في ضرورة “أن يُنصف المجتمع أيضاً النساء اللواتي تعرّضن لهذا العنف المقرف من النظام”، وتردف “واجبنا كمجتمع سوري ألا نضاعف الظلم. لذا، علينا العمل على التخلّص من ممارسات الوصم والعزل المُوجَّهة ضدّ الضحايا”.

نحو “عدالة تحوّليّة”

يشكّل نداء جمانة سيف صدى لدعوات “حملة طريق سوريا إلى العدالة” الداعمة لهذه الدعوى القضائيّة، وهي حملة تتألّف من أربع منظّمات سوريّة حقوقيّة ونسويّة هي “بدائل” و”دولتي” و”النساء الآن من أجل التنمية” و”شبكة الصحفيّات السوريّات”، وتدعمها منظّمة “من أجل سوريا”.

أحد الأهداف الجوهريّة من هذه الحملة هو الذهاب أبعد من المسارات القضائيّة، لمعالجة التمييز الاجتماعي المرتبط بالعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي المتجذّر في سوريا، وتعزيز المسارات الاجتماعيّة والسياسيّة والقضائيّة التي توصل الناجيات إلى العدالة، من دون حصر جهود الدعم بالشقّ القانوني الذي يقتصر عادةً في مخيّلة الرأي العام على قاعات المحاكم وردهاتها.

وتقول منى زين الدين من منظّمة “النساء الآن”، “نحن نتطلّع إلى تحقيق رؤية أشمل للعدالة عبر ترويج (العدالة التحوّليّة)، التي تذهب أبعد من ميدان الشكاوى لتصبّ في مصلحة إيجاد شبكة حماية اجتماعيّة واقتصاديّة للناجيات والناجين، تتحمّل فيها المؤسّسات الرسميّة والمجتمعيّة مسؤوليّتها في تلبية مختلف حاجاتهم، وليس فقط الجانب القانوني منها، لتكون الاستجابة أوسع وأكثر قرباً من تطلّعاتهم، كلّ بحسب موقعه وحاجته”.

وتضيف زين الدين لـ”درج”، “جزءٌ من مطالبنا موجّهٌ إلى القضاء، لكن الجزء الآخر موجّه إلى المجتمع لمعالجة ما يُسمّى بالوصمة وآثارها على الضحايا وإزالة العوائق التي تحول دون وصولهم إلى أي شكل من أشكال العدالة”.

لا تتوقّع سيف مدّةً زمنيّة معيّنة لهذه الدعوى، بل ترجّح أن تستمرّ لسنوات، لا سيّما مع وجود مدّعين وجناة وشهود كثيرين وحيثيّات معقّدة، الأمر الذي يطيل في التقليد القضائي أمد أي مسار قانوني. وما على المنتظرين والمنتظرات سوى متابعة تطوّرات المحاكمة في كوبلنز، كونها المحاكمة الأولى التي تنظر في قضايا التعذيب، ومراقبة إيقاع جلساتها وأساليبها من أجل تكوين ولو تقدير بسيط لما ستكون عليه المحاكمات في المستقبل. 

جرائم ضدّ الإنسانيّة!

خلال الإعلان عن تقديم الدعوى، كرّرت ساريتا أشراف، وهي محامية متخصّصة بالقانون الدولي الجنائي، التشديد على ضرورة النظر إلى الجرائم الجنسيّة والجرائم القائمة على النوع الاجتماعي التي ارتُكبت في مراكز الاعتقال في سوريا، بوصفها جرائم ضدّ الإنسانيّة، وليس مجرّد أحداث منعزلة كانت تستهدف بعض الأفراد بين الفينة والأخرى. فاستخدامها كان شديد الانتشار، وممنهجاً، ما يتطلّب الكفّ عن وصف هذا النوع من الجرائم الذي يهدف إلى تعذيب جماعة من البشر، بالأفعال الاستثنائيّة أو الفرديّة وبدء التعامل معها على أنّها جرائم ضد الإنسانيّة. 

تدرك القوّات الحكوميّة السوريّة جيّداً أنّ الاغتصاب والعنف الجنسي والتعرّض للنساء، والرجال أيضاً، هي جرائم من الصعب الإبلاغ عنها في المجتمع السوري، فراحت لعقود تستفيد من هذه الثقافة وتستثمر فيها وتتيح ارتكاب الانتهاكات الجنسيّة والجندريّة أثناء فرضها ممارسات قمعيّة، وعمليّات عسكريّة بريّة، وفي نقاط التفتيش، ومرافق الاعتقال، حتّى أنّها أباحت الاعتداء الجنسي على بعض النساء في المعتقلات، انتقاماً لبلداتٍ كان يخسرها النظام في معارك استعادة النفوذ والسيطرة.

هؤلاء النساء المنسيّات، وحليفاتهنّ اللواتي يتصدّرن اليوم الدعاوى القضائيّة والمبادرات المجتمعيّة لإنصافهنّ، هنّ اللّواتي سيغيّرن وجه سوريا، إلى أن يأتي الزمن الذي تستريح فيه عدالةُ النساء من عناء إصلاح ما دمّره عنفُ الرجال.  

درج”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى