الناس

الشرف المسفوك/ رشا عمران

 

 

بدون أي تردّد، وبلا أي إحساسٍ بالحزن أو الندم أو التّسرع، يُشهر الوالد سكّينه، أو بندقيته، ويحزّ رقبة ابنته، أو يوجّه البندقية لتدخل الرصاصة إلى قلبها مباشرة. .. حين رأى سيدنا إبراهيم، في منامه، أن الله عز وجل أمرَه أن يذبح ابنه الوحيد إسماعيل الذي جاءه على كبر، امتثل للرؤية، فامتنعت السكّين عن حز رقبة الولد، فحدثت الأعجوبة، واستبدل الله تعالى الولد بكبش، وصار مصطلح “كبش الفداء” على مدى الزمن رمزا لكل من يتم التضحية به بلا ذنب، والفتاة في الثقافة والعادات العربية هي هذا الكبش، يحمل الوالد سكّينه، ويحزّ رقبة ابنته، من دون تردّد منه، أو من نصل السكين. الاثنان متفقان على تقديم البنت كبش فداء، الجميع يتفقون على ذلك، يجب أن يكون هناك كبشُ فداءٍ للشرف الرفيع، الشرف الذي “لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم”!

يحب الشرف رائحة دم الإناث، ثمّة عطر خاص في رائحة دمائهن، هل يشبه الشرف جان باتيست جورنوي، بطل رواية باتريك زوسكيند “العطر”؟ كان جورنوي يقتل العذراوات لكي يستخلص من دمائهن العطر النادر، شرف القبيلة والعائلة العربي شرفٌ قاتلٌ ومهووس، مثل جورنوي تماما، تستفزّ الفتيات شهوته للدم، الفتيات اللواتي يُردن أن يكنّ طبيعيات، فتيات عاديات مثل كل فتيات الأرض، يحببن ويصاحبن ويتمرّدن على القبيلة، ويتزوّجن شبّانا من غير رضى القبيلة، فتيات يردن أن يعشن طبيعياتٍ، أن يشعرن بطعم القبلة الأولى والرعشة الأولى، فتيات يرين أن شرفهن أكبر بكثير من قبلة مسروقة، أو من نزهة مع شاب، أو من كذبة بيضاء، أو من زواجٍ عن حب جارف، أو حتى من غشاءٍ تحميه تقاليد القبيلة بوصفه غشاء الشرف الذي يستفز تمزّقه شهوة السكين للذبح، وشهوة القبيلة والعائلة للتباهي بالإجرام.

ثم نسأل من أين أتتنا “داعش”، ونحمّلها كل شرور الكون، ونبكي ونندب بناتنا اللواتي خطفتهم هذه الداعش المجرمة، وندّعي الذهول، ونحن نرى نصل السيوف الداعشية تقطع رأس الكفار بذريعة الدفاع عن الشريعة. ونكتب المقالات والمدوّنات عن كيف ومتى تربى الداعشيون في ودياننا وجبالنا وسهولنا وصحارينا. نندهش كيف ترجم “داعش” من تُصنّف زانية، ونندهش كيف تصلبُ “داعش” من يمسك في يده لفافة تبغ، أو تفوح منه رائحة الخمر، ونندهش كيف تذبح “داعش” من لا تمتثل لأوامر الشريعة، وتحجب كامل جسدها عن عيون “الذئاب”، ونندهش كيف تحرق “داعش” من تتجرّأ على النظر بإعجابٍ إلى رجلٍ وسيم، ونندهش كيف تحمل “داعش” السيوف لأطفال صغارٍ، بوصفهم مشاريع قتلة للمستقبل. نحن نندهش لكل ما تفعله “داعش”، ونبالغ في اندهاشنا كي ندفع عنا شبهة التشبّه بها، مع أننا نفعل ما تفعله تماما، نقتل بناتنا لأنهن أحببْن، ونقتل أخواتنا لأنهن تزوجن عن غير رغبتنا، ونقتل زوجاتنا لأنهن “نشزن”، ونقتل أمهاتنا لأنهن خرجن عن الدور الذي وضعته القبيلة للأم المثالية، ونعلم أبناءنا الذكور كيف يقتلون من ملكت أيمانُهم، من أخواتٍ وأمهاتٍ وحبيباتٍ وجارات، لأن الشرف الرفيع يجب أن يُراق له الدم، نعطي السكاكين لأولادنا الصغار، ونعلمهم كيف يجب أن يكون النصل مسنونا، وجاهزا للذبح، بعد أن يسمّوا باسم الشرف، إذ لسنا داعشيين، لا نقول الله أكبر قبل الذبح، نحن نقتل باسم الشرف، وهو قتلٌ مباحٌ ومباركٌ إن كنتم لا تعلمون، وهو أيضا قتلٌ محميٌّ من الجميع، تحميه العائلة، وتباركه القبيلة، وتدافع عنه الملة ويشرّعه الدين. أما القاتل فتدعمه القوانين وتحميه، وتفرج عنه إن كان قاصرا، وتطبطب عليه بحكمٍ مخفّفٍ إن كان بالغا، إذ إن قوانيننا رؤوفة بالذكور، وتقدر نوبات غضبهم التي تحوّلهم إلى قتلة، إذا ما تم خدش شرفهم الرفيع، قوانيننا نفسها التي تعدم المرأة شنقا إذا ما قتلت زوجها، لأنه خانها أو غدر بها، فالمرأة لا يغضب شرفها، وهل للمرأة العربية شرف أصلا؟ الشرف صفة ملحقة بالذكر، لا بالأنثى. لذلك حين يَقتل الرجل فهو يدافع عن شرفه، وحين تقتل المرأة هي مجرمة وقاتلة، ثم نسأل من أين أتت “داعش”؟

قبل أيام، قتل أبٌ طفلته التي لم تكمل عامها السادس عشر، في قريةٍ في ريف السويداء، لأن مديرة مدرستها اتصلت بالأب وأخبرته بأن ابنته تغيب عن مدرستها، وبأنها كانت برفقة شاب. لا تنتمي المديرة التي تحرس عفّة البنات إلى “داعش”، وكذلك الأب الحنون الذي تمزّق شرفه، والبيئة التي باركت عرس القتل، والقانون الذي سيحمي القاتل ليس داعشيا. مئات، بل آلاف حالات القتل المشابهة على امتداد هذه الأمة البائسة، ولا أحد يعرف من أين جاءت “داعش”.

العربي الجديد

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى