نصوص

بقلم الحبر الأزرق/ عزيز تبسي

 

 

-1-

جفنان مبطنان بنعاس الأزل، تظهر التماعات متناوبة، كقطرات زيت على وجه المياه… كل شيء مناسب للتفكير في حركة التاريخ، بعدما تبين أن صناعة التاريخ، أعقد بكثير من صناعة البقلاوة.

سعي تجار الحروب، مزودين بخبراتهم، لوراثة المحاربين على الجبهات، لن يبخلوا على القتلى بجنازات مهيبة، لا لقناعتهم بقضيتهم، بل كنمط من الاعتياد الرشيق على أداء الواجبات العامة، بضرب من ملامح حيادية، كتماثيل من جص. يظهرون حزانى، يذكرون من حين لآخر، ليكسروا الصمت، الذي يضغط على صدور المعزين، مناقب الفقيد، الذي ليس له أي مناقب. ويحولون مجرى الدمع إلى أنوفهم، ويتمخطون في مناديل قماشية، مصدرين أصواتاً راعدة كشخيط الثيران في المسالخ.

وحين تتوجه العيون إليهم، كأنما تطالبهم ببضعة كلمات، لرفع الهمم، وتشجيع من لم يمت بعد، بالذهاب راضياً إلى حتفه. يتنحنحون كوسيلة حاذقة لطرد الارتباك، وإظهار الجدية التامة التي تستوجبها مجالس العزاء، باقتلاع أي صورة تنال من الفقيد واستحضار كل الصور الجميلة المشرقة من خيال شعراء المراثي وحمالي النعوش، التي تظهر البطولات والشجاعة والكرم والتضحيات والترفع عن صغائر الحياة اليومية، أي، كل الخصال النقيضة، لسلوك هؤلاء الخطباء، الذين تعذبهم أمعاؤهم أكثر مما يعذبهم ضميرهم. ما ينبغي عدم نسيانه البتة: لا يريد تجار الحروب الموت، يريدون وراثة الموتى.

-2-

انهزمت الثورة، كان يجب ألا تهزم، قبل أن تبصر أهدافها كلها أو بعضها. لكنها هزمت، وهي منكبة على تضميد جراحها، وإحصاء المفقودين من أبنائها، وتَعدُ من افترست الضواري، جثثهم في البراري، بقبور رمزية وباقات الزهور.

من الصعوبة نسيان من جرى حرقهم بالسبيرتو الذي حملوه في حقيبة طبية لتعقيم جراح الخارجين إلى الشوارع، وتجبير كسور أذرعهم … من جرى سحلهم في الشوارع والطلب منهم إرشادهم إلى زوجاتهم الشابات… المنحنون على جراحهم، يخيطونها بلا مخدر بإبرة تخييط الملاحف…الذين وزعوا قصاصات ورقية في الشوارع ونسوا حبرها على أصابعهم…الذين كتبوا على الجدران وعادوا إلى بيوتهم مرتجفين بخوف من آبائهم أكثر من خوفهم من أجهزة المخابرات. الناس الذين خرجوا للشوارع لإخراج ما توطّن من قيح أزلي في رئاتهم، الذين لم يهتفوا ضد أحد، لم يفعلوا شيئاً مريباً، واجهوا السلطة الحاكمة بما تسببت به: السعال.

توجَّب إنتاج كائنات جديدة من النمط الأسطوري البابلي، تتلاصق في أجسادها عدة كائنات، جناحا صقر جذع أسد قوائم حصان لتكون جديرة بامتحانات القوة والمجد.

من هو الثائر؟ اختلطت الأمور وفق مناهج غوغائية، اشتغل عليها كثيراً لتسود وتهمش غيرها. من هو المعرّف بالثوار؟ الذي يكتبون التقارير والاستشارات الدورية للقناصل، وينامون في بيوتهم. من يتابعون الدورات الممنهجة لتدمير الثورات من داخلها؟ العاملون في المؤسسات الإغاثية الدولية، الذين واللواتي يتقاضون أجوراً شهرية تزيد عن أجور عام كامل لموظفي الدرجة الأولى. قادة التنظيمات العسكرية، الذين لا أحد يعرف أسماؤهم، لا الشعوب التي يتحدثون باسمها، ولا الشعوب الأخرى المنحدرين من أقوامها، لا أحد يعرف أسماءهم وصورهم قبل عمليات “التجميل” إلا أجهزة المخابرات، التي لا تفصح عنها إلا عندما تشاء.

لا يعلم كيف ستكون الثورة، بعدما آلت إلى تصدر حركات مسلحة من نمط حركة الأتابك نور الدين الزنكي، والسلطان العثماني مراد، وتنظيمات تتخالف فيما بينها على تأويل منهج تنظيم القاعدة. ولا حينما تخضع المدينة الواحدة إلى أربع أو خمس عمليات تحرير. كأن الشعوب قد وقعت ضحية سوء تشخيص طبي. كما حصل لأجدادهم الذين ماتوا بأعمار مبكرة في ثورات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. انهزمت الثورة لأسباب كثيرة، من خارجها ومن داخلها، وأمسى معظم أهلها تحت التراب أو في السجون أو في صمت.. وتبقى الآن مهمة سياسية – أخلاقية: الحفاظ على كرامة المهزومين.

لم تفهم القوانين التي تهيمن على العالم، بعد الانهيار الذاتي للتجربة السوفياتية، بافتراض أنه كانت مفهومة في ظل بلادة وخمول العقيدة المانوية السوفياتية، ولا كيف ستكون الثورات بعد تراجع وتلاشي الأحزاب والقوى السياسية التي حملت عن صدق أو خديعة رايتها، ضعف القوى الثورية الجديدة، التي تتابع المسيرة الشاقة في هذا القرن الجديد، خائضة في مواجهات ميدانية غير متكافئة. حلول الصراعات العرقية والدينية العدمية، مكان الصراعات السياسية-الطبقية، تقويض دول واختراع دول جديدة على أنقاضها، الدور المتعاظم للإعلام في توجيه الشعوب وصنع قناعاتها، الجماعات الحربية الغامضة، التي تتمول من صناديق الشركات المتعددة الجنسية، وتتجول بحرّية في دول الأرض، وتبطش بأي مقاومة اعتراضية… لم ننتبه للتحولات التي آلت إلى انتخاب بلادنا، لتكون مكاناً آمناً، لدفن النفايات النووية في القرن العشرين، إلى مكان لدفن الشعوب في القرن الحادي والعشرين.

مطلوب تحت ضغط التهديد بالسلاح والإفناء التام، تغيير سرد الحكايات القديمة، وإقناع الناس أن ليلى هي التي أكلت الذئب.

نسترجع في الطريق الطويل الشاق، الغنائيات الرومانسية التي لطالما تدفّأنا بها من صقيع الاستبداد، “لا بد للقيد أن ينكسر”، متناسين في غمرة الفرح، الذي انهمر علينا كمطر، أننا فقدنا أذرعنا، ولم يعد للقيد مكان يُقفل عليه.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى