مقالات

الحرب وما تركته من ندوب مادية ونفسية عن حراس الثقافة والذاكرة في سوريا/ زينة شهلا


بوجه مبتسم وعينين ضاحكتين، يستقبل غسان شريف بشكل يومي زوار صالة “السيد” للفنون وسط العاصمة السورية دمشق، ويحرص على أداء مهامه المتنوعة بكل إتقان وشغف، فهو المسؤول عن معظم المهام الإدارية في هذا المكان الثقافي.

في حال استضافة الصالة لمعرض أو افتتاح ما، يجول بين الحاضرين ويقدم لهم ما يلزمهم من معلومات حول الأعمال الفنية وأيضاً يعرض عليهم بعض الضيافة كالقهوة أو الشاي، وإن كان يوماً “عادياً” كما يحب أن يسميه، لا يملّ من الجلوس وحيداً في بعض الأحيان، وقد يقرأ كتابا أو مجلة ما لتمضية الوقت، في إصرار منه على إبقاء الصالة مفتوحة واستقبال أي زائر عابر قد يرغب في الدخول وإلقاء نظرة على الجدران التي تملؤها لوحات فنية متنوعة.

شريف، وله من العمر ستون عاماً، يفخر خلال حديثه مع “القدس العربي” بعمله المستمر دون انقطاع في هذه الصالة منذ عشرين عاماً، “لم أتوقف عن الحضور يوماً واحداً سوى خلال العطلة الأسبوعية يوم الجمعة، حتى خلال أقسى أيام الحرب التي عاشتها دمشق خلال السنوات الماضية. نحن من صالات الفنون الجميلة النادرة التي لم تغلق أبوابها على الإطلاق طيلة فترة الحرب”.

بدأ شريف الذي يناديه الجميع باسم أبو فادي، عمله في هذه الصالة بعد أن كان متخصصاً في أعمال لها علاقة بالبناء والإنشاءات، ولم يكن له حينها اطلاع كبير في مجال الفن التشكيلي. ومع دخوله هذا المكان اكتشف عالماً مريحاً جذبه ليبقى مستمراً في عمله حتى اليوم.

يتضمن هذا العمل وفق شرح المتحدث العديد من المهام، فعند إقامة معرض ما تقع التحضيرات على عاتقه بما فيها التواصل مع وزارة الثقافة للحصول على الموافقات اللازمة، وتجهيز الدعوات وتوزيعها، والتنسيق مع الفنانين لوضع الأعمال داخل الصالة وتسعيرها وطباعة قوائم الأسعار. وبشكل عام يحفظ شريف كافة مقتنيات الصالة عن ظهر قلب، ويقضي جلّ أيامه بينها حتى أنها تحولت إلى جزء لا يتجزأ من حياته وشخصيته.

“لكن، كل شيء تغير مع بداية الحرب”. يغلق الرجل عينيه وهو يستعيد ذكريات أيام مؤلمة عاشتها دمشق تحت وطأة المعارك، والموت اليومي الذي كان يعصف بكل أنحائها. يشير إلى شباك هنا وجدار هناك تضرر بفعل قذائف الهاون التي كانت تتساقط بشكل شبه يومي في معظم أرجاء المدينة، ويتذكر تلك الصباحات التي كان يحضر فيها من منزله في حي المزة إلى الصالة سيراً على الأقدام، ويضطر للاختباء أحياناً في مداخل الأبنية هرباً من شظايا القذائف ليتمكن من الوصول إلى عمله سالماً.

مع ذلك كان شريف مصرّاً على الحضور كل يوم. “كنت أشعر وكأنني مسؤول ليس فقط عن إبقاء الصالة مفتوحة وإنما عن حمايتها أيضاً. على سبيل المثال كنت أحرص على أن أفتح النوافذ لدى قدومي خوفاً من أن تنكسر بفعل الضغط الناجم عن الانفجارات والتي ضربت المدينة عدة مرات. حدث ذلك فعلاً في أحد الأيام، وأشعرني بحجم مسؤوليتي لأبقي هذا المكان سليماً دون أضرار. هل سنخاف من الموت؟ الأعمار بيد الله وللموت مئة شكل ولون. كنت أخاف على هذا المكان أكثر من خوفي على نفسي”.

آثار الحرب لم تتوقف عند ذلك بالنسبة لصالة “السيد” وغيرها من الأماكن الثقافية في سوريا، فالاضطرابات التي عصفت بالبلاد منذ العام 2011 كان لها وقع مأساوي على قطاع الثقافة والفن والذي تراجعت أولويته أمام ما عاشه السوريون من معاناة، وأيضاً فقد العديد من رواده من مختلف الطبقات الاجتماعية، والعاملين فيه من فنانين في شتى المجالات كالرسم والنحت وغيرها، فمنهم من غادر البلاد، وآخرون ما عادوا مهتمين بمتابعة الفعاليات الثقافية التي باتت بدورها نادرة.

“أنتَ إذاً حارس هذا المكان؟” نسأله يضحك ويجيب بصوت راجف: “أقضي هنا ثماني ساعات يومياً. عشقت اللوحات والأعمال الفنية على مدار السنوات الماضية، وصارت لي مع الفنانين والزوار علاقة ودية طيبة. حصلت صاحبة الصالة على عروض عديدة لبيعها أو استثمارها في مجالات ربحية أخرى، لكننا كنا مصممين على أن يبقى هذا المكان كمنبع للثقافة، وكنا على قناعة بأننا إن أغلقناه يوماً، سيذوي مع الزمن وسيكون من الصعب إحياؤه من جديد”.

للمسارح أيضاً حُرّاسها

في أروقة مسرح القباني وسط دمشق، يتجول علي النوري بكل ألفة حتى خلال ساعات تقنين الكهرباء، فهو يعيش في هذا المكان منذ سنوات طفولته، حتى أنه يحب أن يقول لكل من يسأله: “أنا من مواليد مسرح القباني. أرفض أن أقول كم عمري، فهو من عمر المسرح”.

والد علي، رضوان النوري، كان من أوائل العاملين في مسرح القباني منذ خمسينات القرن الماضي، وبذلك تحوّل هذا المكان الذي يعتبر من أقدم مسارح دمشق إلى “حبّي الأول والأخير” كما يقول النوري –أبو رضوان – في لقاء مع “القدس العربي” داخل إحدى غرف كواليس المسرح.

عمل الرجل بشكل أساسي كحارس للمسرح منذ سنوات طويلة، لكن عمله مع مرور الأعوام لم يقتصر على ذلك، بل تحوّل أيضاً إلى حارس للممثلين والمخرجين والكتّاب ورفيق لهم، يرافقهم خلال أيام عملهم وتدريباتهم، ويقدم لهم كل ما يمكن أن يكونوا بحاجته أثناء ذلك.

“حفظت كل العاملين في المسرح السوري وباتت تربطني بهم علاقة قوية، سواء الأجيال القديمة أو الجديدة. منهم من أطلق عليّ لقب الوجه الملائكي في مسرح القباني، أو راهب مسرح القباني، أو حارس المكان والذاكرة، وكثيراً ما كانوا ينادونني كي أقف إلى جانب خشبة المسرح أثناء التدريبات. يقولون بأن وجودي يعطيهم طاقة كبيرة للعمل”، يقول النوري بابتسامة عريضة، ويضيف أن هذه العلاقة لم تقتصر يوماً على المسرحيين وإنما تجاوزتها لمعرفة جمهور مسرح القباني ومرتاديه الدائمين وإقامة صلات طيبة معهم أيضاً، فالرجل بات جزءاً لا يتجزأ من المكان وتفاصيله.

الحرب أيضاً مرت من هنا ككل الأماكن الثقافية في سوريا، وتركت بصمتها على المسرح وعلى من يعملون فيه. كثر من الممثلين والمخرجين والكتّاب سافروا إلى خارج البلاد. علي النوري بدوره اضطر للانتقال مع عائلته والإقامة في المسرح لفترة نتيجة ظروف قاهرة، وتساقطت قذائف الهاون حول المبنى وداخله مخلّفة آثارها في أماكن عدة. “رغم ذلك لم تتوقف العروض المسرحية، ولم أتوقف أنا يوماً عن القدوم وحراسة المكان. الباب لا يُغلق حتى خروج آخر زائر أو متفرج”.

يبدأ عمل النوري منذ التاسعة صباحاً وينتهي مع آخر ساعات الليل، فهو لا يعتبر بأنه موظف بل إن المسرح هو أحد أبنائه الذين يحرسهم ويحميهم في كل لحظة. “لي أربعة أولاد والقباني هو ابني الخامس، ولا يمكنني تخيل نفسي في مكان آخر فعملي هنا بمثابة الأوكسجين الذي أتنفسه”.

ولا يمل الرجل من الحديث عن حبه وشغفه بالمسرح وكافة تفاصيله فهو أبو الفنون وسيد الفنون جميعها، ويتألم حين يتحدث أحد الزوار عن أزمة يعاني منها المسرح السوري الذي واكبه الرجل لسنوات طويلة. “أفضّل القول بأن الثقافة حيّة على الدوام سواء في الحرب أو السلم، وبالنسبة لي فأنا أعيش عيداً حقيقياً كلما حضرت عرضاً مسرحياً ورأيت الجمهور وهو يملأ المقاعد والممثلين على الخشبة يقدمون العروض بكل ما لديهم من شغف”.

مقاومة الحرب

وفي حي قريب من شارع 29 أيار حيث يقع مسرح القباني، يحفظ المسرحيون والزوار وجه وابتسامة محمد متولي والذي يعمل في أروقة مسرح الحمراء، أحد أهم المسارح في دمشق، منذ عدة سنوات.

متولي، وهو مصري الجنسية، يعيش في سوريا منذ ما يقارب الأربعين عاماً، ويعمل كفنيٍ في مجال تصليح الكهرباء بشكل أساسي. “حطت بي الرحال هنا بعد أن عشت لفترة في لبنان وهربت من حربها. عثرت على فرصة عمل مع وزارة الثقافة السورية وابتدأت رحلتي في هذه المدينة التي أحببتها وتآلفت معها ومع سكانها بشكل كبير”، يقول متولي في لقاء مع “القدس العربي”.

قضى الرجل الستيني معظم سنوات عمله مع مديرية الفنون الجميلة في وزارة الثقافة في مجال تنظيم المعارض الفنية، وكان مسؤولاً بشكل أساسي عن نقل الأعمال الفنية التي تملكها الوزارة بين مختلف المحافظات السورية وأيضاً إلى خارج البلاد. “لم أكن أحصل على دخل كبير لكنه كان كافياً لأعيش أنا وزوجتي السورية وابني بشكل جيد، والأهم أنني شعرت بتعلق كبير بسوريا وثقافتها الغنية والمتنوعة”.

وضمن عمله مع وزارة الثقافة، انتقل متولي الذي يحب أن يناديه الناس بكنيته لا باسمه، إلى مسرح الحمراء منذ سنوات حيث أصبح مسؤولاً عن كافة الأعمال الفنية فيه، وترافق انتقاله هذا مع اضطراره للنزوح من منزله في ريف دمشق، فتحول المسرح لمكان سكنه أيضاً.

“أعمل منذ الصباح وحتى المساء داخل وخارج المسرح، وشعرت منذ دخولي إليه بحب كبير تحول لإحساس بالمسؤولية كي أبقي هذا المكان الثقافي حياً وقادراً على العمل والعطاء”، يضيف متولي في حديثه.

وككثير من العاملين في المساحات الثقافية في دمشق، ورغم الحرب وما تركته من ندوب مادية ونفسية، لم يشعر متولي يوماً باليأس، وأصرّ على الاستمرار بعمله “مع أنه ما بيأكّلش عيش” كما يقول بلهجته المصرية. “أحببت مكان عملي هنا في مسرح الحمراء، وتفاجأت في بعض الأحيان بقدرة السوريين على مقاومة الحرب والاستمرار بتقديم النتاج الثقافي وتعلمت منهم الكثير”.

ومع إحساسه بالارتباط بالمسرح وبالعمل الثقافي بشكل عام، لم يغادر متولي سوريا أبداً خلال كل سنوات الحرب إلا لزيارة أهله في مصر بشكل متقطع، ويشعر اليوم بأن مصيره ومصير مسرح الحمراء واحد، “فما يجري عليه وعلى السوريين يجري عليّ، وسأبقى في عملي هنا ما دمت قادراً على العطاء”.

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى