الناس

دمشق: “ماما.. متى سنصلح التلفزيون؟”/ وجيه حداد

تقول الأرملة الثلاثينية هدى لمعارفها: “لا شيء في حياتي عادي، أشعر كل يوم كما لو أن لغماً سينفجر في وجهي، أو أنني سأقع في كمين محكم”. مفردات هدى ليست وليدة ثقافتها أو تعليمها، وهي الحاصلة على الثانوية فحسب، بل هي مفردات ثقافة الحرب التي عاشها السوريون طيلة السنوات الماضية.

ومع أن حياة هدى استثنائية بهذا القدر أو ذاك، إلا أن الأسبوع الماضي كان حافلاً واستثنائياً. وبدأ ذلك الخميس، وهي تكوي الثياب، حين سمعت صوت ارتطام تلته صرخة حادة، فهبت مذعورة. كانت ابنتها لين ذات السنوات الخمس قد وقعت عن الدرجات الأخيرة في منزلهم الشعبي، وهي تلعب مع شقيقيها؛ ربيع وبشير.

الزمن الذي استغرقته الأم للاطمئنان على ابنتها، والتأكد من سلامتها، كان كافيا لحرق بدلة ربيع المدرسية، بشكل غير قابل للإصلاح أو الترقيع. لا تعرف هدى كيفية حصول الأمر، فهي متأكدة أنها وضعت المكواة بوضعها الآمن. حسناً، ما حدث قد حدث، وعليها الآن شراء بدلة مدرسية جديدة، ستزيد من مصاريف هدى الشحيحة.

هدى الحريصة جداً في ما يخص الكهرباء لا تترك أولادها يشغلون المدفأة الكهربائية أو السخانة، إلا بحضورها. لكن حرصها لم يمنع الأقدار. في اليوم التالي، احترقت أسلاك الكهرباء في المنزل، وفقط بفضل شجاعتها وسرعتها، تمكنت هدى من فصل الساعة الرئيسية، لتمنع كارثة لا تحمد عقباها.

فني الكهرباء الذي رمم السبت ما يمكن ترميمه، حذّرها من أن تمديدات الكهرباء الداخلية في منزلها قديمة ومتآكلة، ولا تحتمل كل هذه الأجهزة دفعة واحدة، وعليها تغييرها بسرعة.

فهمت هدى ما يقوله الفني، ولكن ما العمل؟ الكهرباء تنقطع 4 ساعات وتأتي لساعتين فقط، وعليها استثمار ذلك الزمن بالطاقة القصوى، للطبخ والتدفئة والغسيل، وتشغيل سخان الماء في الحمام، والكوي أيضا، هذا عدا عن البراد والتلفزيون. وكثيراً ما تنسى هدى في غمرة انشغالها بعودة الكهرباء أن تشحن هاتفها المحمول، والبطارية القديمة الخاصة بالإضاءة. كل ذلك في مدى ساعتين. وبالطبع لا يسمح وضعها المادي بتغيير الأسلاك الداخلية.

وإذا ما تفهمت هدى رداءة التمديدات في منزلها، وتعجز عن استبدالها فكيف لها أن تتفهم رداءة تمديدات الشبكة العامة خارج منزلها، والأسلاك غير النظامية المعلقة عليها. الأحد، سمعت هدى دوياً مثل صوت الرعد، مترافقاً مع رفرفة الكهرباء لثوان، استطاعت خلالها، بحكم خبرتها ووجودها في المطبخ، أن تفصل البراد عن الكهرباء، عندما لاحظت الإضاءة تتوهج بشدة قبل أن تنقطع الكهرباء. واكتشفت هدى لاحقاً، لحسن الحظ، كما تقول، إن خسائرها اقتصرت على تعطل التلفزيون، في حين خسر الجيران معظم أجهزتهم الكهربائية.

خبرة هدى، لم تأتٍ بالمجان، فقد سبق لها أن خسرت في حالة مماثلة 50 ألف ليرة سورية، لاصلاح البراد. فما بات مكرر الحدوث أن تماساً يسبب حريقاً في أسلاك التوتر العامة، فينقطع أحد الخطوط ويتلامس بغيره، ما يعني حصول تيار مضاعف من شأنه أن يعطب معظم الأجهزة الكهربائية. حالة لم تعد مقتصرة على الكتب النظرية ومهندسي الكهرباء، بل باتت معرفة عامة يناقشها السوريون، ويعرفون تأثيرها على الأجهزة الكهربائية.

بعد البدلة المدرسية، وأجرة فني الكهرباء، يأتي التلفزيون ليحمِّل هدى التي تعمل كمستخدمة في مشفى حكومي، عبئاً إضافياً. إذ بالكاد يكفي راتبها وراتب زوجها التقاعدي، لإطعام أولادها الثلاثة، وتأمين أبسط احتياجاتهم. ولا تدخر هدى جهداً لزيادة دخلها فتعمل في مواسم المونة في الفول والبازلاء، وتصنع المكدوس بالأجرة، وتحيك الصوف لمن يرغب، في محاولة منها لعدم الاستدانة من أحد.

هدى التي اضطرت للعمل بعد وفاة زوجها، تركب وسيلتي نقل كل يوم في ذروة الزحام لتصل إلى حيّها، ثم تقطع بعد ذلك مئات الأمتار صعوداً إلى بيتها الكائن في سفح قاسيون، حاملة أكياس الخضار. الإثنين، أخبرها مُصلّح التلفزيونات إنه لا يذهب إلى البيوت، وعليها أن تحمل الجهاز إلى محله. وأضاف: “انشالله يكون العطل فيوزات أو مكثفات شغلتها بسيطة، ألفين تلاتة، أما  إذا الجهد العالي، أو الشاشة، بدك تحسبي حسابك فوق عشرة آلاف”.

وحال دخول هدى المتعبة أخيراً إلى المنزل، أخبرها ابنها ربيع أن موظف الكهرباء الحكومي، قد فكّ عداد الكهرباء، لتخلفهم عن الدفع لأكثر من ثلاث دورات. في تلك اللحظة شعرت هدى بدوار يعصف بها، وتيار بارد يسري في كامل جسدها. استندت إلى الجدار مخافة السقوط، أغمضت عينيها، كانت تحكمها رغبة جارفة بالانفصال عن الواقع، والخروج من لحظتها العابرة، ومن مجريات عمرها المديد.

تراءت لها صورة زوجها ماثلة أمامها، رغبت في ضمه، في تعنيفه، معاتبته وشرح حالتها له، وهو من تركها ليموت في حادث ليس أقل غرابة من الحياة في هذه الفوضى السورية. الزوج كان قد نجا بإعجوبة من سقوط قذيفة هاون، في أحد شوارع دمشق، فصدمته سيارة مسرعة هاربة من المكان!

أتخبر هدى زوجها، عن الذل والتحرش الذي تتعرض له في العمل والشارع، أم عن جوعها وفقرها، وعجزها عن دفع الفواتير، وأنها بانتظار نهاية الشهر لتقبض “الجمعية” التي اشتركت فيها منذ شهور، لتسد ما تراكم من ديون.

بعد التذلل والرجاء حصلت هدى، الثلاثاء، على إجازة ساعية من مديرها، مسلحة بمبلغ استدانته من زميلاتها لتدفع فواتير الكهرباء، كخطوة أولى لا بد منها لاستعادة العداد. وصلت في العاشرة إلى مكتب الدفع في شركة الكهرباء، واستبشرت بعدم وجود ازدحام، ليصدمها الموظف بالقول: “الكهرباء مقطوعة.. عودي غداً قبل التاسعة صباحاً”.

غابت هدى، الأربعاء، من دون إجازة، هرباً من كلمات مديرها المستفزة، ووصلت في الثامنة صباحا إلى مكتب الجباية. الموظف وصل في الثامنة والنصف. فتسلمت الإيصالات المدفوعة، وتوجهت إلى المؤسسة، كان عليها انجاز العديد من المعاملات والانتظار طويلاً لدفع الغرامة. قرابة الساعة الواحدة ظهراً، كانت قد جهزت كل المعاملات لاستعادة العداد، وبقي الوصول إلى الموظف الحكومي المسؤول عن اعادته وتركيبه في المنزل. وبعد مفاوضات طويلة عبر الهاتف، وافق الموظف على الحضور للمنزل، مشترطاً تحميل هدى أجرة سيارة التكسي إلى بيتها.

عصر الخميس، دفعت هدى أغلى أجرة لسيارة تكسي سمعت بها، طلبها موظف الكهرباء بلسانه. لم تجادله، لم تكن راغبة بالكلام، كانت عاجزة تماما وهي تنظر إلى أطفالها الذين التصقوا فيها مثل فراخ الدوري. قطعت لين الصغيرة حبل الصمت: “ماما ايمتى بدنا نصلح التلفزيون؟ بدي شوف أفلام كرتون”. ضمتها بشدة دون أن تنطق بكلمة، كانت نظراتها ساهمة وهي تبكي بصمت. وكان العالم يتكثف قهراً في عينيها، ويتساقط أمامها كأفلام الكرتون.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى