الناس

بعد عام من رحيل داعش، عدم الاستقرار يهدد مستقبل الرقة/ فراس حنوش


إن التحدي الأكبر الذي يواجه الرقة وريفها اليوم هو غياب أي رؤية واضحة للإدارة الأمريكية والدول المانحة لما هو قادم في المنطقة، وعدم وجود استراتيجية شاملة لإعادة إعمار المدينة بعد رحيل تنظيم داعش. غياب مثل هذه الاستراتيجية يقف حائلاً امام عودة الآلاف من المدنيين إلى منازلهم، وتقويض أي جهود لدمج المدنيين خاصة السكان العرب في الحكومات القائمة.

أحكم تنظيم داعش سيطرته على الرقة جاعلاً منها عاصمة لخلافته المزعومة في يناير/كانون الثاني 2014. لمنع تمدد التنظيم، تشكل تحالف عسكري دولي بقيادة الولايات المتحدة لقتال التنظيم. كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يغلب عليها المكون الكردي، ذراع التحالف على الأرض. وبعد معارك استمرت لأكثر من ثلاث سنوات،أعلنت قسد سيطرتها على مدينة الرقة نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2017، وذلك بعد أشهر من حصار المدينة، وقصفها من قبل قوات التحالف الدولي. ورغم إعلانها عن إنشاء مجالس محلية وإدارات مشتركة لتتولى إدارة المدينة، ما تزال قوات قسد تسيطر على مختلف مفاصل الحياة في المدينة. وتستمر حالة تهميش العربي في هذه المجالس، مع أن العرب يشكلون حوالي 92٪ من مجموع سكان محافظة الرقة. هذا التهميش يمثل أحد عوائق تحقيق الاستقرار في المنطقة.

أدت العمليات العسكرية إلى مقتل ما يقارب من 1830  مدني، وآلاف الجرحى، وإحداث دمار هائل في المدينة قُدر بحسب الأمم المتحدة بنحو 80٪ من الأبنية السكنية والبنية التحتية فيها. حتى اليوم، لم يعترف أياً من الأطراف التي شاركت في العمليات العسكرية بمسؤوليته المباشرة أو غير المباشرة عن مقتل وجرح آلاف المدنيين، واستمر التحالف الدولي في التنصل من الاعتراف بالأرقام الحقيقية للضحايا بحسب منظمة العفو الدولية .

وفيما ظن العالم أن المرحلة الأكثر مأساوية من الحرب ضد تنظيم داعش قد انتهت، ما تزال آثار ما أحدثته هذه الحرب موجودة على كافة أوجه الحياة في الرقة. يعيش سكان الرقة اليوم ظروفاً حياتية صعبة، مع غياب أي نية لإعادة إعمار مدينتهم المنكوبة، حيث تنصلت الولايات المتحدة الأمريكية من المشاركة في خطة إعادة الإعمار لما تم تدميره، ما لم يكن هناك عملية سياسية شاملة توافق عليها واشنطن. كما أعلن الرئيس الأمريكي مؤخراً عن نيته سحب القوات الأمريكية في سوريا. وهى أمور تهدد استمرار ونجاح عمليات إعادة الاستقرار في الرقة.

تدعم الولايات المتحدة الأمريكية -من خلال عدد من البرامج الممولة من جانب وزارة الخارجية الأمريكية- عملية إعادة الاستقرار في الرقة، لكنها برامج تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية لعودة السكان للمدينة. لا تتم هذه العملية بوتيرة عالية وبمقاصد طويلة الأمدّ ضمن استراتيجية شاملة لإعادة الاعمار. حيث اقتصرت عمليات إعادة الاعمار على بعض الأمور مثل ترميم بعض معالم المدينة، كدوار الساعة في قلب مدينة الرقة، والتركيز على مشاريع ترحيل القمامة. كما تم التركيز على إعادة تأهيل عدد من شبكات الكهرباء في ريف الرقة، ولكن لم يتم تمويل أي مشاريع لإصلاح شبكات الكهرباء ضمن المدينة حتى الأن رغم تركز الكثافة السكنية في المدينة. كما لم ترميم الجسور التي تشكل نقطة ربط أساسية للمدينة مع ريفها. ونتيجة لذلك، يعتمد المدنيين في التنقل بين ضفتي نهر الفرات على العبّارات المائية البدائية المعدة لنقل الأحمال المتوسطة فقط، هذه الطريقة تشكل خطراً كبيراً على حياة المدنيين.

على الرغم من إزالة الركام والأنقاض من حوالي 60٪ من شوارع المدينة، الأمر الذي سهل من فتح الطرقات ضمن الأحياء السكنية، إلا أنّ عملية إزالة أنقاض الأبنية المدمرة لم تبدأ بعد، الأمر الذي يقف عائقاً أمام عودة النازحين إلى منازلهم، نتيجة عدم القدرة على تحمل التكلفة العالية لإزالة الأنقاض، حيث يبلغ سعر نقلة الركام الواحدة 10م٣ حوالي 15 دولار، الأمر الذي يشكل عبئاً إضافياً على المدنيين.

ويُشكل ترميم شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب عائقاً كبيراً أمام المنظمات الخدمية على الأرض نتيجة انتشار تلك الشبكات بشكل عشوائي، الأمر الذي ينعكس على الظروف الصحية في الرقة. خاصة في ظل حقيقة أن الرقة تعاني من نقص كبير في الخدمات الطبية المقدمة للمدنيين، فقد تم فقط الانتهاء من ترميم قسم النسائية في المشفى الحكومي الوحيد في المدينة. ولكن لا يوجد أي قسم لغسيل الكلى لمرضى الفشل الكلوي، الأمر الذي يحتم عليهم السفر نحو مناطق سيطرة نظام الأسد، متحملين تكاليف باهظة جداً بشكل دوري، هذا وقد شهدت المناطق الخارجة عن سيطرة تنظيم داعش انتشاراً كبيراً للمخدرات بأنواعها، وسوء الرقابة الدوائية على الأسعار والعقاقير المتداولة في الأسواق.

فيما يتعلق بإعادة إعمار قطاع التعليم، تم تمويل عدد من المشاريع التي استهدفت حوالي 50٪ فقط من مدارس المحافظة المدمرة بحسب نشطاء ميدانين، واقتصر العمل على ترميم جزئي لأبنية المدارس المتضررة جزئياً، وعدم الموافقة على العمل في المدارس المدمرة كلياً. واقتصر التعليم في تلك المدارس على المرحلة الابتدائية فقط. وبسبب عدم وجود مدارس للمرحلتين الإعدادية والثانوية، فإن نسبة كبيرة من الطلاب مهددة بعدم العودة إلى مقاعد الدراسة في المدى المنظور، خاصة بسبب عدم القدرة على تحمل تكاليف السفر والإقامة الباهظة في محافظات أخرى بغية استكمال تعليمهم.

تبقى الرقة اليوم حالها كحال كل المناطق الخارجة عن سيطرة تنظيم داعش ونظام الأسد، دون مستقبل واضح، نتيجة غياب استراتيجية شاملة لتحقيق الاستقرار في المنطقة وإعادة إعمارها. وفي ظل انسحاب الولايات المتحدة من الصراع عسكرياً ومن عمليات إعادة الإعمار، يبدو أن هناك اتجاه داخل قسد في التوجه نحو فتح قنوات مع نظام الأسد، فقد عقدت القيادة السياسية لقوات قسد في أغسطس/آب الماضي محادثات مع النظام السوري. هذا الأمر له تأثير سلبي كبير على المدنيين، نتيجة القلق من احتمالية عودة سيطرة النظام وأفرع المخابرات التابعة له.

تتجه الأمور في الرقة نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار، ما يجعلها فريسة سهلة بيد التنظيمات المتطرفة، أو لقمة سائغة لتمدد إيراني محتمل في شرق الفرات، وتحقيق حلم طهران بوصل إيران مع البحر المتوسط بطريق بري. أو عودتها لسيطر النظام مرة أخرى، هذا يعني الحكم على بلد منهك طيلة ثمان سنوات ببقائه تحت سلطات الأمر الواقع الذي قامت الثورة من أجل تغييرها.

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.