الناس

سوريا بين رياض الترك ومي سكاف/ حسام ميرو

 

 

في الوقت الذي توفيت فيه الفنانة السورية مي سكاف في فرنسا، مع وجود تكهنات عديدة حول موتها، قبل أن يثبت الكشف عن الجثة موتها بنزيف دماغي، في تلك الأثناء وصل رياض الترك (أبو هشام) إلى باريس، ورافق وصوله تعليقات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تباينت بين مرحب بقدومه إلى فرنسا، وخروجه من “مملكة الصمت”، وهو التعبير الشهير للترك نفسه، الذي أطلقه على سوريا، خلال عهد حافظ الأسد، ومن ثم الوريث، وبين ناقدين لتجربة الترك التاريخية، خصوصاً من بعض أعضاء “رابطة العمل الشيوعي” السابقين.

تجربة رياض الترك (88 عاماً) في النضال تمتد لعقود، منذ وجوده في “الحزب الشيوعي” بقيادة خالد بكداش، ومن ثم انفصاله عن الحزب، وتأسيسه “الحزب الشيوعي-المكتب السياسي” في عام 1972، واعتقاله في عهد الأسد الأب في عام 1980، ومن ثم اعتقاله مجدداً في عهد الأسد الابن، وبقي رياض الترك الزعيم الأوحد، وصاحب كلمة الفصل في حزبه، على الرغم من تغيير الاسم لاحقاً إلى “حزب الشعب الديمقراطي” في عام 2005، وهو ما يأخذه كثر على رياض الترك، لجهة استئثاره بقرار الحزب، أو هيمنته على أهم القرارات، وخصوصاً فيما يتعلق بالقرارات المفصلية، من تحالفات وغيرها، ويعني هذا الأمر، بالنسبة لمعظم منتقدي الترك، أمراً لا يختلف كثيراً عن استئثار حافظ الأسد بقرار “حزب البعث” والدولة والأمن والاقتصاد، مع فارق الجهة التي يتواجد فيها كل منهما.

وتحوّل رياض الترك بالنسبة لأبناء حزبه إلى رمز وطني في النضال، وحاز لقب “مانديلا سوريا”، ولكن، بعيداً عن الرمزية، وتقديس الأشخاص، وعبادة الفرد، ثمة أسئلة كثيرة عن الفشل الذي منيت به أحزاب المعارضة التاريخية، وعدم قدرتها على إحداث مراجعة حقيقية لدورها، أو تقديم قيادات مهمة في الصفين الثاني والثالث للكوادر الحزبية، وهو الأمر الذي برزت الحاجة الماسّة له بعد انطلاقة الانتفاضة السورية في مارس/ آذار 2011، فمعظم السوريين لا يعرفون من تلك الأحزاب التاريخية سوى أمينها العام، وفي أفضل الأحوال اسم أو اثنين من قياداتها.

مي سكاف من مواليد 1969، عاشت في ظل “الحركة التصحيحية”، ولم تنتمِ إلى الأحزاب السياسية، وربما لا تعرف الكثير عن الأحزاب السياسية المعارضة، مثلها مثل معظم السوريين من أبناء جيلها، لكنها، وبتبنيها مواقف واضحة وحاسمة من الانتفاضة، ومشاركتها في المظاهرات ضد النظام، ومن ثم خروجها القسري في عام 2013، تمكنت من تأكيد نفسها كرمز من رموز الثورة السلمية، مع فارق أساسي وهي أنها فنانة، كانت قد حازت على شهرة من خلال أعمالها الدرامية العديدة، التي بدأتها في عام 1993، ولعبت خلال مسيرتها الفنية أدواراً تمثيلية مهمة، جعلتها محط إعجاب جيل الشباب.

مواقف مي السياسية والوطنية، والتي ربما يختلف الكثيرون معها، اتسمت بالعفوية والتمرد والصدق الشعوري، وهي السمات المتطابقة مع شخصها كإنسانة وفنانة، كما أن إصرارها حتى اللحظة الأخيرة على التعبير عن رفضها لنظام الأسد، على الرغم من كل المتغيرات التي حدثت عسكرياً وسياسياً في السنوات الثلاث الأخيرة، جعل منها أيقونة في عيون محبيها، بالإضافة إلى أن موتها في منفاها، بما له من دلالات متصلة بالمأساة السورية، وهي لم تبلغ الخمسين من عمرها، أطلق شحنة عاطفية كبيرة بين السوريين، أعادتهم إلى زمن براءة الثورة، في أبعادها المدنية والوطنية الجامعة والديمقراطية.

يمثل رياض الترك، بشخصه، وبحزبه، جزءاً لا يتجزأ، من تاريخ سوريا السياسي، ولتجربته النضالية والحزبية ما لها وما عليها، إذ لا يمكن قراءة تاريخ سوريا السياسي فيما يسمى الجمهورية الثانية من دون رياض الترك وحزبه، فقد كان الرجل وتياره في صلب اللوحة المعقدة للصراع على السلطة في سوريا، وبنى تحالفات ستبقى محط جدل كبير، خصوصاً في تجربتي الثمانينات والانتفاضة السورية، وانحياز تياره إلى مقارعة النظام بالسلاح، بالإضافة إلى التحالفات الخارجية، عبر تواجد حزبه في قيادة “المجلس الوطني”، ومن ثم “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، وهي تحالفات ستبقى محط جدل كبير، وتحتاج إلى بحث ونقد، في سياقات أخرى.

مع خروج رياض الترك إلى فرنسا تنتهي حقبة سياسية من تاريخ سوريا، حقبة الصراع بين أحزاب تتسم في خطها العام بالأيديولوجيا والشمولية، كما تعتمد على رموز بعينهم، بالتزامن مع تحولات عميقة في المشهد الوطني السوري، وعودة زمن الاحتلال، حيث تتواجد في سوريا قوات لعدد من الدول الأجنبية، بعد تهجير ملايين السوريين إلى جهات الأرض الأربع، وهو ما يعني طي صفحة الصراع الأيديولوجي (البعث، الشيوعيون، الناصريون، الإخوان)، مع بقاء بعض صخبها الذي سيثيره البعض من وقتٍ إلى آخر.

“ابن العم”، ما زال حيّاً، لكن صفحة نضاله السياسي ستصبح من الماضي، وهذا ليس حكم قيمة ينتقص من تجربته، لكنه حكم الواقع، وستبقى تجربته الشخصية والحزبية قيد الدرس كجزء مهم من تاريخ النضال السياسي ضد الاستبداد، كما ستبقى مغرية لكتّاب السّير الذاتية، لكن رحيل مي سكاف هو جزء من الصفحة السورية الجديدة، صفحة جيل لم يقرب السياسة، وعوالمها، بل ورافض لمنطقها البراغماتي، وصادق حتى الموت في حلمه بالحرية والكرامة، جيل الشباب والصبايا المدنيين، والذي دفع ثمناً باهظاً لأحلامه الوردية، في الموت تحت التعذيب، أو الموت في طرق الهجرة، أو في المنافي.

تلفزيون سوريا

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى