مراجعات كتب

الطائفية وسياسات الطائفة في المشرق العربي/ رضوان زيادة

 

 

كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون محقاً عندما أشار إلى أن المشرق العربي لن يستطيع أن يحقق نمواً، أو نهوضاً، إذا لم يستطع حل قضية الطائفية، السياسات الطائفية ودور الطائفة هي عصب النظام السياسي اللبناني اليوم والعراقي والسوري كذلك، تبدو هذه الدول وقد غرقت في وحل الحروب الأهلية التي لا تنتهي، في ظل انعدام قدرات نخبها أو عدم رغبتها في إيجاد حلول سياسية للمعضلات الكامنة في السياسات الطائفية في بلدانها، بحيث تحولت إلى جزء من الهوية لدى بعضهم، وبدت هي الهوية بذاتها لدى بعضهم الآخر، وعليه يختلط هنا الحوار الذي هو سياسي بالأساس بالديني بالمذهبي بالوجودي الهوياتي إلى غير ذلك مما تقوده سياسات الهوية المتخيلة في هذه المجتمعات.

في صميم هذا النقاش وراهنيته يأتي كتاب الدكتور عزمي بشارة (الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، وكعادته يخصص الدكتور بشارة فصولاً للبحث في أصل المفهوم ودلالاته وتاريخيته، ففي مثل هذا الكشف التاريخي ينكشف الغموض عن التحولات الدلالية للمفهوم عبر التاريخ، والأهم يظهر بجلاء الاستخدام السياسي والتوظيف الأيديولوجي الحديث لمفهوم الطائفية.

يعرف بشارة الطائفية بأنها “جماعة تقوم على أساس الانتماء إلى دين أو إلى مذهب، بما في ذلك الوزن الكبير لعناصر التخيل”، مستنداً هنا إلى مفهوم بنديكت أندرسون عن الجماعات المتخيلة، وبالتالي يصبح لهذه العناصر “دور في إنتاج السرديات وإدراك الذات من خلال الانتماء إلى جماعة، وبالتالي فهي ليست مصطلحاً دينياً أو ثيولوجياً. إنما هي مصطلح سوسيولوجي ويتحدد بالسياق التاريخي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي وبدرجة التنافس والصراع بين قوى اجتماعية كما أنها متبدلة فهي ليست نفسها في كل مرحلة تاريخية”.

في هذا التعريف الدقيق للطائفية يتفق بشارة مع ابن خلدون في معنى العصبية، لكنه يدرك أن أدوات الدولة الحديثة والمجال السياسي الذي خلقته حوّل مفهومي الطائفة والطائفية وجعلهما أداتين في إطار الصراع السياسي في الدولة العربية الحديثة التي فشلت في بناء جماعة المواطنين، وفشلت في تحقيق الحد الأدنى من الرابط المواطني بين أبنائها، ولذلك وجد هؤلاء الأبناء في الطائفية هوية جديدة، وفي كثير من الأحيان حماية لهم من “شرور” الدولة الحديثة وأدواتها التي تطورت بشكل متقدم في مؤسسة الجيش والأمن وبقيت جنينية، أو لم تولد، في مجال الحريات العامة والأساسية والديمقراطية ومؤسسات القانون والعدالة.

يختلف كتاب بشارة هنا عن غيره من الكتابات التي تناولت الطائفية، لأنه لا ينطلق مسبقاً من هجائها الأيديولوجي كما اعتدنا في كتابات اليسار العربي، وخاصة اللبناني مثل مهدي عامل وغيره، فهو يحاول فهم ظواهرها وأصولها التاريخية ويتقاطع مع برهان غليون في فهم الظاهرة سياسياً وليس دينياً، بل إن إحدى ألمع الأفكار في الكتاب ما ذكره بشارة بالقول “الطائفية لا تعنى بنشر الدين بل بوضع حدود له، فالطوائف هي تثبيت حدود أتباع معتقد ما اجتماعياً، وهذا يتطلب أيضاً حراساً لهذه الحدود، في حين أن الدين قام على أساس نشره بين غير معتنقيه”.

وهو بذلك يخلق وجهة نظر تنطبق، في رأيي، على ما يسمى الإسلام السياسي، فالحركات الإسلامية حوّلت الإسلام إلى أيديولوجيا، وبالتالي استخدمت ووظفت هذه الأيديولوجيا لتحديد هويتها في بازار الصراع السياسي مع القوى الأخرى، وهنا يمكن القول إن لها الحق الكامل في توظيف رأسمال ديني واجتماعي مهم للغاية في معركتها السياسية، لكن عليها أن تتعامل بحذر وتدرك أنها في النهاية حركات سياسية وليست حركات دينية توظف الرأسمال المشترك لعموم المواطنين لمصلحتها.

وهنا يفتح بشارة، برأيي، معركة أخرى تكمن في رفضه التبسيط الاختزالي الذي ساد لدى اليسار العربي في تعامله مع الطائفية، وهي تبني العلمانية بوصفها الحل والخيار الأمثل، بالنسبة لبشارة العلمانية، وخاصة كما تجلت في المشرق العربي، تحولت إلى أيديولوجيا، وذلك عندما “حكمت فيه أقلية علمانية الأيديولوجيا واستخدمت ولاءات وشائجية مثل العشيرة والقرية حيث تتلاقى مع الطائفية في تشكيل النخبة الحاكمة ولا تحمل قيم العلمانية الإنسانية، وهو ما حولها لتقديس النظام في النهاية على حساب الفرد”.

فالطائفية في النهاية هي ليست نتاج الفكر الديني أو المذهبي الضيق فحسب، إنها نتيجة طبيعية لفشل الدولة العربية الحديثة كما قلنا وإرث لسياسات الاستعمار الغربي الذي لم ير في المجتمعات العربية إلا “دولاً مؤلفة من طوائف أو قبائل أو جماعات هوية. لقد صدَّرت أوروبا نموذج الدولة القومية إلى المستعمرات من جهة ومن جهة أخرى دعم الاستعمار الأقليات وانتصر لها ضد ثقافة الأكثرية كمحاوله لتبرير تدخله”.

يمكن القول إذاً إن حصاد الربيع العربي الدامي بعد 2011 وما نشهده من حروب أهلية في سورية والعراق واليمن وليبيا كان نتيجة مأساوية وحصيلة طبيعية لسياسات الدولة العربية الحديثة في فشلها في بناء بوتقة الوطنية الجامعة واستغلالها بشكل مباشر وغير مباشر لسياسات الطائفية بهدف تبرير ذاتها ووجودها، وهو الأمر الذي تراكم على مدى عقود من الإنكار وعمى الأيديولوجيا حتى وصلنا إلى طوائف، أو قبائل، متناحرة لا تجد في “شريكها” في الوطن إلا عدواً لا يحل قتله فقط وإنما وجب، لأن الصراع الطائفي في النهاية هو صراع صفري لا رابح فيه، لا سيما إذا كان ضمن أبناء الوطن الواحد. فاستدعاء “الانتماء الطائفي”، كما يقول بشارة، أصبح وظيفة مقدسة في الصراع الداخلي، لا بد من بناء هوية “النحن” وتشكيلها مقابل “هم” الذين هم سبب الظلم الواقع “علينا”.

وهو ما يحلله بشارة بوصفه “سياسات المظلومية”، فمن أهم “ميزات الطائفية أنها تنشر ثقافة المظلومية” حتى “في المجتمعات التي ابتليت بالطائفية تعتبر جميع الطوائف مظلومة ولجميعها تاريخ من الظلم والقهر، ولجميعها ذاكرة قتل النساء والأطفال ولجميعها شهداء تعلق صورهم ومناسبات تحيي فيها ذكراهم وذكرى المذابح التي وقعت في حقهم، فالجميع مظلوم في أرض الطائفية”.

لن أستطيع هنا بالتأكيد استعراض أو نقاش مجمل قضايا الكتاب الذي اتصف ببعد أكاديمي وجهد بحثي نادر عابر للتخصصات ومتجاوز للتضييق التاريخي، لكن، ما أودّ التوقف عنده في النهاية نقاشه للحلول السياسية التي حاولت الخروج من بوتقة الطائفية لبناء دولة “كل المواطنين”، وخاصة نقاشه نظرية ليبهارت في ما يتعلق بالديمقراطية التوافقية ودراسته بالتفصيل لفشل الحلين المقترحين في كل من لبنان وأيرلندا الشمالية. ليبهارت يفترض أن هذه الحلول مؤقتة داخل المجتمعات المنقسمة، لكن بالنسبة لبشارة عندما تتم دسترة الطائفية فإنه “من الصعب معارضة النظام الطائفي من داخله، حيث لا يمكن صياغة النقد إلا بأدوات طائفية، ولذلك تصبح المعارضة غير الطائفية موسمية وضعيفة فعلاً، وكأنها منفصمة عن الواقع والحياة لأنها من خارج النظام”.

ما ذكره الدكتور بشارة صحيح تماماً وأتفق معه وكنت قد كتبت وحذرت أكثر من مرة من تكرار عبارات ليبهارت في بيان جنيف السوري، الذي أصبح على العموم في عداد الأموات، لكن لم يستطع بشارة في الوقت نفسه تقديم حلول سياسية عملية أو نسميها إجرائية، فما قاله عن العراق صحيح تماماً وأتفق معه في أن الحل ربما يكون بالنهاية في تطبيق الديمقراطية الليبرالية بصيغتها العلمانية المفتوحة، لكن حتى الوصول إلى هذا الهدف في سورية والعراق ولبنان ما صنع الحداد، كما يقول المثل، فالطريق لذلك يجب أن يتم وفق خطوات سياسية يمكن قياسها تقرّبنا من التخلص من الطائفية بوصفها داء سياسياً، فالطائفية اليوم ليست جزءاً من السياسة في المشرق العربي اليوم، وإنما للأسف هي السياسة بعينها، فالأسد تحوّل إلى زعيم مليشيا طائفية منفلتة من عقالها الأخلاقي والقانوني ويطلق عليها الدولة السورية. إن اقتلاع نظام كهذا يتطلب إعادة تأهيل وتربية قواعده الاجتماعية وجذوره التربوية، وتلك ربما تتطلب عقوداً وعقوداً تزداد الطائفية معها تجذراً ويزداد معها تطييف المجتمع بأكمله، وهو ما يعيدنا إلى الحلول السياسية ذاتها في اقتراحات ليبهارت في حكومات الوحدة الوطنية أو الحكومات الائتلافية والتوافقية كسبيل لتحقيق الاستقرار على حساب الديمقراطية، وهو هدف ليبهارت الأول والأخير من كتابه.

*كاتب من سورية

ضفة ثالثة

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى