الناس

نجم السوشال ميديا أندراوس باسوس: رحلة إلى سوريا المزورة/ وليد بركسية


مع الموسيقى الحزينة والتمثيل الرديء والتهذيب المصطنع وقليل من التصوير الفاخر، يقدم نجم السوشيال ميديا الفلسطيني – السويدي أندراوس باسوس، مقطع فيديو يوثق فيه رحلته إلى دمشق، مكرراً كافة كليشيهات دعاية النظام السوري، حول كون البلاد مهد الحضارات ورمزاً لتعايش المسلمين والمسيحيين وغيرها من العبارات الفارغة التي لم تكن لتوجد لولا انتصار النظام السوري على “الإرهابيين”، حسب رؤية الفيلم العامة.

الفيديو الذي يحمل عنوان “رحلتي إلى سوريا”، يبدو بريئاً للوهلة الأولى، خصوصاً أن باسوس يوثق سفراته ورحلاته عبر مواقع التواصل باستمرار، إلا أنه في الواقع ليس سوى ترويج لأفكار النظام السوري بطريقة غير مباشرة، وإن كانت الزيارة غير مستفزة بحد ذاتها، بل خياراً شخصياً لصاحبها، إلا أنها تصبح كذلك أمام حقيقة أنها تمت برعاية جهات رسمية، كما يظهر في شارة النهاية التي تشكر شخصيات وجهات رسمية لرعايتها الزيارة وتسهيل مهمة صاحبها.

واشتهر باسوس (27 عاماً) بأدائه لشارات المسلسلات السورية عبر “يوتيوب”، بالإضافة لشهرته كمصوّر ومدوّن سفر، ويمتلك مئات الآلاف من المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واحتفل في زيارته إلى سوريا بحصوله على “درع يوتيوب” بعد وصوله إلى 100 ألف مشترك في قناته الشخصية.

وكما هو متوقع من أي فيديو دعائي، فإن الزيارة السريعة إلى دمشق لا تلمح أياً من المظاهر “غير الطبيعية”. فالتصوير يتم في فنادق فاخرة وتتمحور اللقطات حول أنواع الأطعمة في مطاعم دمشق القديمة. لا نازحين أو مشردين ممن أفقدتهم الحرب بيوتهم، بينما تحجب الكاميرا جزءاً كبيراً من الصور اليومية في دمشق، من بقايا الحواجز الأمنية والفقر والتشرد والنزوح وحتى أزمة المياه والكهرباء، ويشمل سوريا ككل بالعاصمة دمشق فقط، وبالتالي يفقد الفيديو كيانه “كتوثيق”، لصالح الدعاية الرسمية التي تروج لشرعية النظام.

ولا يتحدث “السائح” مع الناس المرهقين في الشوارع مثلاً، محادثات طبيعية، بل يستغل بعضهم لتكرار كليشيهات الأخوة بين المسيحيين والمسلمين عندما يكشف عن اسمه ووشم الصليب الضخم على يده، فيما يتم تزوير بعض الترجمات الانجليزية المرافقة للحوار العربي، سواء عندما يتم الحديث عن اليهود بعنصرية ومعاداة للسامية، أو عند الحديث عن أحياء دمشق القديمة والوجود المسيحي في الشرق.

ويجب القول أن الفيديو طويل وممل ولا يقدم سوى الكليشيهات التي تزوّر حتى معنى الحياة الدمشقية، حيث يتعامل باسوس مع السوريين عموماً والدمشقيين خصوصاً كشخصيات من مسلسل “باب الحارة”، لا كبشر يعيشون في القرن الحادي والعشرين، ويقدم صورة مغلوطة عن السعادة التي تأتي من الأمان، وعن انتشار الحرية والسهر والفرح والثروة والرخاء! وبينما لا يتم الحديث عن السياسة بشكل مباشر، إلا أن كل مديح للأمان في دمشق يترافق حتماً بصورة لعلم النظام السوري، في الخلفية، أو بين يدي باسوس نفسه.

ويتحدث باسوس بوضوح عن رسالته وغايته من الزيارة والتسجيل، وهي توجيه دعوة لكل “المغتربين” السوريين للعودة إلى حضن الوطن، حيث الأمن والأمان، ولا يتم استخدام مصطلح اللاجئين لوصف السوريين المهجرين من ديارهم، بل يتم حصر تلك الصفة بالفلسطينيين المتواجدين في سوريا فقط “برعاية النظام السوري”، مع الإشارة إلى أن السوريين في الخارج والذين يرفضون العودة إلى مناطق النظام، خونة ومأجورون بعكس باسوس “الغريب”، الذي وقف مع سوريا في أزمتها كشخصية “أصيلة”.

ورغم أن النظام السوري يبدو مبدعاً للوهلة الأولى، في اعتماده على شخصيات بارزة في مواقع التواصل لإيصال أفكاره، بديناميكية تتجاوز الإعلام الرسمي الفاقد للمصداقية، إلا أن هذا النمط بات متكرراً، منذ العام 2016، عندما زارت المدونة اللبنانية لانا مدور العاصمة دمشق وقدمت مقطع فيديو مشابهاً لمقطع باسوس، وصولاً إلى رعاية نجوم من “أنستغرام” لأداء المهمة نفسها. وبالتالي، يصبح المقطع الجديد اليوم مفتقداً للخيال والتشويق اللازمين لإقناع الجمهور، خصوصاً أنه يفتقد لعامل الخطر الآتي من تحدي “الإرهاب” وحس المغامرة كما كان الحال في الفيديوهات الدعائية السابقة.

وهكذا لا تنقل هذه “الدعاية الناعمة” معلومات فجة ومباشرة، بل تعكس فقط جواً عاماً يعود لصالح النظام، من غير تبنٍ رسمي، بهدف تذخيره بمصداقية أكبر. ولن يجد النظام بالتأكيد، أفضل من نجوم السوشيال ميديا المأجورين ليتكفلوا بالمهمة، بدلاً من الإعلاميين والممثلين والمشاهير التقليديين، لأنهم يتمتعون بشعبية أكبر في مواقع التواصل الاجتماعي، ويمتلكون حظوة لدى وسائل الإعلام العالمية التي تنبهر بهذه “المبادرات الفردية”، كما يظهر من التعاطي الإعلامي مع باسوس من وسائل إعلام في ألمانيا والسويد.

ويشكل الفيديو استكمالاً لإعلانات وزارة السياحة السورية الأخيرة حول الأمن والاستقرار والحياة الطبيعية في سوريا المفيدة عموماً والعاصمة دمشق خصوصاً، علماً أن الوزارة والصفحات الموالية للنظام تتحدث بكثافة منذ الشهر الماضي عن وفود سياحية “ضخمة ستأتي من دول أوروبا، وبالتحديد فرنسا والسويد، لزيارة سوريا. وبهذا يكون هذا الفيديو موجهاً للجمهور العربي والغربي على حد سواء، ويحاول اكتساب مصداقية” أكبر مما يبثه الإعلام الرسمي من “استقلاليته” وروح التدوين الفردية فيه.

والحال أن الفيديو يتجاوز التساؤلات التقليدية العامة حول انطباعات “الأجانب” لدى زيارة البلد الذي مزقته الحرب خلال ثماني سنوات، ويتعامل مع ذلك الطرح بشيء من الاستخفاف أمام معطى عام جديد مفاده أن النظام السوري انتصر على الإرهاب وبات من الطبيعي مشاهدة “الأجانب” وهم يتمتعون بـ”مظاهر الحياة الطبيعية” بمعزل عن فكرة الحرب نفسها، وبالتالي يغيب الحديث عن استهجان عائلة ومحيط باسوس عند إعلانه رغبته بزيارة سوريا، بسبب “عدم الأمان”، إلى التساؤل عن كيفية الوصول إلى سوريا جواً بسبب المقاطعة والحصار.

يذكر أن أرقام السياحة في سوريا وصلت إلى 8.5 مليون زائر سنوياً قبل الثورة، أما الآن فغالبية شركات الطيران ترفض حتى المرور في الأجواء السورية، مع مقتل حوالي نصف مليون إنسان وتهجير نصف السكان. فيما يتحمل النظام وتنظيم “الدولة الإسلامية” مسؤولية تدمير ونهب عشرات المواقع الأثرية التي كانت مدرجة ضمن لوائح اليونيسكو للتراث الإنساني، مثل معبَدي بيل وبعل شامين في تدمر، والمدرج الروماني الكبير في بصرى.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى